تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
مجموعا ، فاتّبع قرآنه . ولا يخفى أنّ الأمر في قوله :
« فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ »
أمر إرشاديّ وتذكير إلى وجوب اتّباع القراءة والوحي كمّا وكيفا ، وتذكرة أيضا بوجوب اتّباع مفاد ما يقرأ ويتلو ، لوضوح أنّ وجوب اتّباع القراءة وجوب طريقيّ ، ولا يمكن تجريد القراءة عن الطّريقيّة في مرحلة وجوب اتّباع القراءة على الإطلاق . وعليه يتّضح أنّ معنى وجوب اتّباع القراءة ، وجوب اتّباع مفادها ومحتواها من الحقائق والأحكام ، بما أنّه وحي وشريعة الهيّة ، لا وجوب اتّباع ألفاظ جبرئيل - عليه السّلام - عقيب قراءته وتلاوته . وممّا ذكرنا يظهر سقوط ما ذكروه في تفسير المقام : منها : ما ذكره في الكشّاف 4 / 191 قال : فكن مقفّيا له فيه ، ولا تراسله ، وطأمن نفسك أنّه لا يبقى غير محفوظ ، فنحن في ضمان تحفيظه . ومنها : ما تقدّم نقله عن الكشّاف أيضا في تفسير قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ »
قال : فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه ، حتّى يقضى إليه وحيه ؛ ثمّ يقفّيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه . ومنها : ما في تفسير الرازيّ 30 / 225 ، عن بعض المفسّرين ما خلاصته : إذا أتممنا عليك قراءته ، فاتبع قراءته بعد تمامها . أقول : وأنت بعد التأمّل فيما ذكرنا ، تعرف أنّ الضمير في قوله تعالى :
« فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ »
راجع إلى القرآن لا إلى القارئ . ومنشأ هذه الأقاويل ليس إلّا ما ذكروه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يستعجل لتلقّي الوحي خوفا من النسيان . فأمر بأن يستنصت حتّى يتمّ الوحي ، ثمّ يتّبع قراءة القارئ . وقوله تعالى :
« فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ »
وإنّ كان خطابا شخصيّا لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ولكن حيث إنّ وجوب اتّباع القراءة حكم عقليّ ، فلا محالة يكون وجوب الاتّباع الشامل لمن عقل وعرف ، من محكمات القرآن ومن المستقلات العقليّة فيه . قوله تعالى :
« ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
( 19 ) » .