تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
لم يشأ لم يقرئه فينسه ؛ فيخرج الآية عن سياق الامتنان ، ويبطل الغرض المسوق له الكلام ، فينزل الغرض في الآية منزلة الأمور العاديّة . فالعناية في الاستثناء التحفّظ على التّوحيد ، والتحفّظ على إطلاق قدرته تعالى ، وأنّه - سبحانه - ليس مغلول اليد ، وأنّ كرامته تعالى على رسوله سواء كانت قبل مرتبة فعليّة العطاء أو في مرتبة فعليّته ليست على نحو الإيجاب ، بل إكرامه إيّاه وتفضّله عليه بمشيّته وعمده واختياره تعالى . وقوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ . . » .
ففيه وجوه ثلاثة : الأوّل : إنّه إخبار عمّا يفعله لرسوله من كرامة الإقراء وعدم النسيان في المستقبل . والثاني : إنّه ميعاد من اللّه - سبحانه - بما يعطيه من كرامة الإقراء . والثالث : إنّه بيان لسنّته الفاضلة وعادته الكريمة في حقّ رسوله وصفيّه - صلّى اللّه عليه وآله . كما في قولنا : فلان يقري الضيف ، ويكرم الجوار ؛ أي : إنّ هذا من دأبه وعادته . فالظّاهر هو الثالث ؛ إذ فيه بروز الامتنان والتجلّي بالعطف والحنان . وإذا دخلت على الفعل المضارع السين يفيد تأكّد تلك السّنّة المستمرّة الإلهيّة بالنسبة إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - لا تأكّد وقوعها في الاستقبال وتمحّضه وتخلّصه للاستقبال . واستعمال السين في الاستمرار - ولو في غير مورد الامتنان - غير عزيز في كلامه تعالى ، سواء كان بحسب الوضع ؛ كما ذكره ابن هشام عن بعض النحويّين - خلافا للمشهور - أو قلنا إنّه بسبب القرائن المقاميّة ؛ كما في قوله تعالى :
« سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ » .
( النّساء / 91 ) وقد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« فَلا تَنْسى »
كاف وشاف في عصمته - صلّى اللّه عليه وآله - عن النسيان ، وأنّ قوله :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ