« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا »
بعد قوله :
« وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » .
( الأعلى / 15 و 16 ) فعلى هذا يكون
« بَلْ »
في المقام للانتقال من غرض إلى غير الغرض المسوق له الآية الأولى .
هذا أوّلا . وثانيا : أنّ الآية السّابقة تدلّ على أن اللّه - سبحانه - ينّبئ الإنسان ويصيّره عالما تكوينا بجميع ما قدّم وأخّر من أعماله . والثانية تدلّ على أنّ الإنسان مجرم ومسؤول في عبوديّته ، وساكتة عن معرفة الإنسان الحوادث الماضية في موردها بعينها . فليس هناك ترقّ من الحجّة الضّعيفة إلى الأقوى ومن الظّاهر إلى الأظهر .
وثالثا : الآية السّابقة مسوقة لمعرفة الحسنات والسيّئات ما قدّم منها وما أخّر ، ومشاهدتها في موردها . والثانية ، بناءا على ما ذكروه ، مختصّة بالسيّئات .
فالظّاهر في المقام - وهو المختار - : إنّ السّابقة مسوقة لبيان أنّ الإنسان إذا وقف موقف الحساب ، ينبّئه اللّه ويجعله متذكّرا بجميع ما قدّم من أعماله - ما قدّم منها قبل موته ، وما أخّرها بعد موته - مقدّمة للحساب . والثانية تدلّ على أنّ الإنسان له بصيرة ومعرفة بسنن الطّاعة والتقوى ؛ يعرف تقصيرها وتفريطها في هذا الشأن الخطير ، ويعرف الأحكام العقليّة وما يجب أن يأتي ويترك ، وقد ألهمها ربّها فجورها وتقواها . ويعرف أيضا كيف يتلقّى الأحكام الشّرعيّة ، وكيف يمتثلها .
وخلاصة القول في الفرق بينهما : إنّ السّابقة مسوقة لمعرفة الحوادث الّتي صدرت منه في دار الدّنيا . والثانية للإرشاد إلى البصيرة الّتي بها يتمّ الحجّة ويصحّ التكليف في دار الدّنيا ، وبها يسلك سبيل العبوديّة وامتثال الأحكام الشرعيّة . ولا مساس بينهما بوجه .
في نور الثقلين 5 / 463 ، عن العيّاشيّ ، عن زرارة ، قال :
« سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - : ما حدّ المرض الّذي يفطر صاحبه ؟
قال :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ »
. هو أعلم بما يطيق .
وفيه / 462 ، عن الفقيه نحوه .