( الكشاف 4 / 191 )
وفيه أنّ الترك لا يعدّ عملا كي يقدّم أو يؤخّر . وتوجيه ذلك بأنّ المراد ترك الواجبات وعصيان أو امرها ، تخصيص من غير مخصّص .
وقيل : إنّ المراد ممّا قدّم ، أوّل أعماله ؛ وممّا أخّر ، آخرها . ( الكشاف 4 / 191 ) .
وفيه : أنّه لم يعلم العناية في تقسيم الأعمال وتنويعها من حيث كونها أوّلا وآخرا . ومنه يعلم ضعف القول أنّ المراد ما قدّم في أوّل عمره وما أخّر في آخر عمره ( تفسير الرازي 29 / 115 ) بخلاف ما ذكرنا فإنّ فيه العناية بما عمله من الحسنات والسّيئات بالمباشرة أو بالتسبيب . وفيه استيعاب واستقصاء لجميع أعماله ، ما كان منها بمباشرته وفي حياته مع علمه واختياره وكان يعلمه إجمالا ، وما كان بالتسبيب بعد موته ولم يعلمه بوجه ؛ فينبّيء اللّه هذا الإنسان بها ، ويحصيها - سبحانه - عليه ، ويجعله عالما بها ، على ما يستفاد من ظاهر الآيات .
قوله تعالى :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) » .
ظاهر كلام غير واحد من المفسّرين وصريح بعضهم أنّ الآية الكريمة متّصلة بما قبلها ، وتثبيت للاحقها في سياقها على وجه أظهر منها . قال بعضهم ما خلاصته : إنّه تعالى لمّا قال :
« يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ . . » .
ثمّ قال :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . . » .
أي : لا يحتاج إلى أن ينبّأ ؛ فإنّه شاهد على نفسه وإنّه فاعل لتلك الأفعال . وقال بعضهم : ذو بصيرة على نفسه ، ولو جادل عن نفسه واعتذر بالمعاذير كي يصرف العذاب عنها . ( انظر : الكشاف 4 / 191 ، تفسير الرازي 30 / 221 )
أقول : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ »
أنّ
« بَلْ »
حرف تفيد الإضراب . فإن تلاها جملة ، كان بمعنى الإضراب وإبطال الجملة السابقة وإثبات اللاحقة ؛ كما في قوله تعالى :
« قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ » .
( الأنبياء / 26 ) وإن لم يكن لإبطال ما بعدها ، كان معنى الإضراب فيها الانتقال من غرض إلى غرض آخر ؛ كما في قوله تعالى :