الدُّنْيا . »
( الأعلى 14 - 16 )
والظّاهر في المقام هو المعنى الثاني . إذ لا محصّل لإبطال الجملة السّابقة :
« بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ » .
وقوله تعالى :
« لِيَفْجُرَ أَمامَهُ » .
الفجر : الانبعاث في المعاصي والزّنا ، كالفجور فيهما . كذا ذكره في القاموس 2 / 107 . والأمام ؛ أي : ما يستقبل من أيّام عمره .
والمعنى : إنّما يريد الإنسان الإدامة على فجوره والإصرار على ذنوبه فيما يستقبل من أوقاته وأيّامه .
فإن قلت : إنّ معنى قوله :
« بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ . . » .
أريد به تكذيب المعاد والبعث . وواضح أنّه ليس إنكار المنكر أمر المعاد والبعث إلا ليخوض في فجوره ويستغرق في شهواته وميولاته ويستريح من نقض عيشه ولذّاته بصيحة البعث .
قلت : هذا الوجه - مضافا إلى أنّه خلاف الظّاهر في معنى
« بَلْ »
الإضرابيّة ، بالبيان الذي أوردناه عن المغني - متوقّف على أن يكون إنكار المنكر عن علم وعناد ، أو لشبهة دخلت على المنكر ولم يتدبّر في الحجج الدالّة على صحة المعاد ، حرصا ورغبة في فجوره . وأمّا إذا كان الحسبان والإنكار لا عن استبعاد وشبهة ، فلا ارتباط بين حسبانه وبين فجوره وفسوقه ؛ لا على نحو العلّيّة والمعلوليّة ، ولا على نحو الملازمة ، ولا على نحو الاقتضاء .
فلا يستقيم أن يقال : إنّ الخوض في الفجور والانهماك في الشّهوات ، علّة للتكذيب ، والجملة قائمة مقام التكذيب .
والظاهر من قوله تعالى :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ . . . » ،
أنّ هذا الحسبان والشّبهة من ناحية الجهل والبساطة والخرافة ، ومن أجل اعتمادهم على الحسّ في الحقائق الأخرويّة والمعاد ؛ كما أوضحناه في صدر البيان في أوّل السّورة المباركة . ويشهد على ما ذكرنا أنّه تعالى أقام الحجة وأنار البرهان على صحّة المعاد وإزاحة الشّبهة وإزالة الاستبعاد من أهل الحسبان والاستبعاد ، فقال - سبحانه - ردّا عليهم :
« بَلى قادِرِينَ . . . » .