تسوية كلّ شيء وتمامه بحسب ذلك الشيء ، فالظّاهر من تسوية البنان بلوغه حدّ إحيائه ؛ أي : إحياؤه مع إحياء الإنسان وجميع أجزاء بدنه بجميع خصوصيّاتها وجزئيّاتها ، وإعادة ما كان عليه من الهيئة والصّورة قبل موته في الدنيا .
ثم لا يخفى أنّه ليس سوق الكلام في الآية ، لبيان خلقة الإنسان وبيان لطائف الصّنع وبدائع النظم والتدبير في خلقه ؛ بل الكلام مسوق لإنكار مقالة المنكر واستبعاده جمع العظام الّتي مزّقت كلّ ممزّق . فعلى هذا يكون تخصيص تسوية البنان بالذكر من بين الأعضاء - من حيث نظمها وإحيائها وإعادة ما كان عليه من التركيب والتصوير - لعلّه لكونه من أعجب ما صنعه تعالى ودبّره - سبحانه - في باب تنظيم البنان وتسويته ؛ أو لكثرة فوائده ودخله في رفع حوائج حياة الإنسان ؛ من الغذاء والمسكن واللباس .
وقوله تعالى :
« بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ »
تذكرة بقدرته تعالى ، وإقامة حجة على إبطال قول المنكر ونقض استبعاده جمع العظام . فإنّ منشأ الاستبعاد والإنكار هو عدم عرفانه بقدرته تعالى ، وجهالته وغفلته أنّ جمع العظام وتسويتها وإحياءها ، أهون من أن يستعصي ويمتنع عليه تعالى .
قوله تعالى :
« بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
( 5 ) » .
الظّاهر أنّ الكلام إضراب عن الجملة السّابقة ، وانتقال إلى غرض آخر ؛ وهو التوبيخ للإنسان الظّلوم الجهول بأنّه ليس له همّ إلّا إشباع شهواته وميولاته ؛ فقال - سبحانه - :
« بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ . . . » .
قال ابن هشام في المغني 1 / 151 :
« بَلْ »
حرف إضراب . فإن تلاها جملة ، كان بمعنى الإضراب . أمّا الإبطال - نحو :
« قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ »
[ الأنبياء / 26 ] ؛ أي : بل هم عباد . ونحو :
« أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ »
[ المؤمنون / 70 ] وإمّا الانتقال من غرض إلى آخر .
أقول : مثاله قوله تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ