توبّخ نفسها على مخالفة ربّها ، بل تنشط وتصرّ وتفتخر بذلك . وكالنفس الكافرة الفاجرة في الآخرة أيضا . فإنّه ليس في الكتاب والسّنة ما يدلّ على توبيخ الفجّار وعتابهم على أنفسهم في الآخرة . وإنّما يعاتبهم ويوبّخهم اللّه - سبحانه - في موقف المحاسبة والمساءلة ، والملائكة الموكّلون على عقابهم .
والّذى يصدر من الكفّار يومئذ ، هي النّدامة والتحسّر . وأمّا النفس المؤمنة أيضا ، فلا دليل على أنّها تلوم نفسها في الآخرة على عدم توفّر حسناتها . ولا دليل على أنّها مكلّفة شرعا أو عقلا ، لتوبيخ نفسها وعتابها في الآخرة وفي الجنّة .
وجواب القسم محذوف . والتقدير : ليبعثنّ ، ونحوه .
قوله تعالى :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ
( 3 ) » .
الظّاهر أنّ الهمزة للاستفهام الإنكاريّ . وصرّح في المغني بأنّها استفهام توبيخيّ . والصّواب ما قلناه . فإنّ المقام مقام المجادلة بالّتي هي أحسن وإنكار مقالة المنكر ، وإبطالها والمطالبة بالدليل .
وقوله تعالى :
« أَلَّنْ »
لتابيد النفي ، كما يزعمه المنكر ويستبعده من جمع العظام المستهلكة في التراب ، المتحوّلة إلى أجسام أخرى . فإنّ نظرة المنكر نظرة عامّيّة حمقائيّة مستندة إلى الحسّ ، وليس له بصيرة بسنن الخلقة والإيجاد والبدع والبدء ، ولا يقدر على نقض استبعاده وإبقاء الأمر في بقعة الإمكان ، ثم إثباته أو إبطاله بالدليل . ويكفي في جهالة هؤلاء الأشخاص وبساطتهم ، أنّهم لو لم يشاهدوا هذا الخلق العظيم الموجود وأخبروا أنّه سيخلق ، لأنكروه أشدّ الإنكار .
قوله تعالى :
« بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
( 4 ) » .
قال في المغني 1 / 153 : « بلى » حرف جواب . . . وتختصّ بالنفي وتفيد إبطاله .
وفي الجوامع / 520 : « بلى » ايجاب لما بعد النفي .
أقول : المتحصّل في المقام أنّ « بلى » لإيجاب الجملة المنفيّة السّابقة