في هذه الجملة نفي كي يكون « لا » النافية لتوطئته وتوكيده . ( تفسير الرازيّ 30 / 214 )
أقول : المستفاد من السّنن الكثيرة الواردة في هذا الباب : أنّ للّه - سبحانه - أن يحلف بما شاء من خلقه . وليس لخلقه أن يقسم بشيء ممّا سواه تعالى .
( انظر : نور الثقلين 5 / 498 - 499 ، وسائل الشيعة 16 / 159 )
فالمتحصّل بحسب ما استظهرناه في المقام : أنّه - سبحانه - أقسم بيوم القيامة ، لثبوت البعث والمجازاة بقوله :
« لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ » .
قوله تعالى :
« وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
( 2 ) » .
أقول : الكلام في هذه الآية المباركة بعينه ، الكلام في الآية السّابقة ؛ أي :
أقسم تعالى بالنفس ، في إثبات البعث والحشر ، في إبطال قول من أنكر الحشر . كما أقسم بالنّفس في قوله تعالى :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » .
( الشّمس / 7 و 8 )
قوله تعالى :
« اللَّوَّامَةِ »
اسم فاعل مبنيّ للمبالغة ؛ أي : كثيرة اللّوم على نفسه . وهي صفة ونعت للنّفس . وقد أريد بها مدح النّفس ، لا قدحها .
والمراد من اللّوم ليس هي التلهّف والتحسّر والندامة . بل المراد العتاب والتوبيخ على تفويت حقّ الغير وارتكاب الجرم . فالعتاب كما يمكن من نفس الإنسان على نفسه ، يمكن أن يكون من الغير أيضا .
ولا يخفى أنّ العتاب على النفس ، وتوبيخها على تقصيرها وتفريطها ، على سبيل مدح النفس به ، إنّما يتصوّر في دار التكليف والابتلاء والاختبار . والنّفس ، وإن كانت لها أنواع وأقسام بحسب مقام الثبوت والفرض ، من حيث كونها عاتبة وبحسب الموطن ، إلّا أنّ المراد بها - بمعونة القرائن ، الّتي ذكرناها - هي النفس المؤمنة المراقبة لحرمة ربّها ؛ الّتي تلوم وتعاتب نفسها ، زجرا إيّاها عن معصية اللّه ، ومؤاخذة إيّاها على ارتكاب الآثام وتثاقلها وتسامحها في المجاهدة وفي سلوك سبيل التّقوى .
ولا تدلّ الآية الكريمة على شمول النّفس اللوّامة لغير ما ذكرنا من أنواعها ، كالكافرة الفاجرة في الدّنيا . فإنّها في حال العصيان والطّغيان ، فلا تعاتب ولا