شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ » .
( الانعام / 124 )
فالآيتان متحّدتا المفاد من حيث إنّهم يستنكفون عن الإيمان بما جاء به الرسل ، ويقترحون على اللّه أن يؤتيهم ما آتاه رسله . فردّ اللّه عليهم فقال :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ؛
أي : هو - سبحانه - أعلم بمن يصطفيه بكرامة الرسالة ، ويخصّه بموهبة النبوّة ، فلا ينال عهده تعالى وأماناته الظالمون .
أقول : هذا القول هو الظّاهر في هاتين الآيتين ، بقرينة لفظ الإيتاء في قوله تعالى :
« حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ »
وفي قوله تعالى :
« أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً » .
فإنّ الإيتاء يقارب معنى الإعطاء المشتمل على نحو الإكرام والإجلال من اللّه - سبحانه - على أهل الكرامة عليه .
وقد ذكروا في تفسير الآية أقوالا اخر أعرضنا عن إيرادها ، لضعفها وعدم استنادها إلى دليل واضح .
قوله تعالى :
« كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ
( 53 ) » .
أقول : إنّ
« كَلَّا »
بمعنى الردع والزّجر عن اقتراحهم ، وعمّا يريدون ويتمنّون على اللّه تلك الأمنيّة الكاذبة أن يجعلهم أنبياء ويؤتيهم صحفا منشّرة . ومحصّل المعنى : إنّ هذا القول الجزاف منهم بعد إتمام الحجة بالقرآن الكريم ليس إلّا لعدم مبالاتهم بأمر الجزاء في يوم الدين ، وعدم خوفهم عن عذاب الآخرة .
قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
( 54 ) » .
الظّاهر أنّ الضّمير للقرآن . أي : إنّ القرآن تذكرة وذكرى وبيّنات .
ولا يبعد أن يقال : إنّ المراد من الضمير ، هو القرآن وأبواب علومه وغيره أيضا ممّا أوحي إليه - صلّى اللّه عليه وآله - من غير طريق القرآن . والعناية في ذكر التذكرة في قوله تعالى :
« فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ »
هو توبيخ المكذّبين على إعراضهم عن التذكرة . وفي هذه الآية ارشاد إلى أنّ القرآن تذكرة . وبعبارة أخرى : الآية الكريمة لبيان شيء من نعوت القرآن الجليلة الجميلة .