وتذكّرهم إن تذكّروا ، وإن كان فعلا اختياريّا صادرا عنهم من غير إكراه ، فالمشيّه الالهيّة متعلّقة به بما هو اختياريّ - الخ ، صريح في أنّ العباد مجبورون في اختيارهم ، والفعل ضروريّ الصدور عنهم .
ولا يخفى أنّ حمل الآية على هذا الوجه ، ليس من باب التفسير في شيء . وإنّما هو تطبيق على ما زعموا من البراهين والأصول الّتي عندهم ؛ وقد قامت البراهين الإلهيّة على بطلانها من أصلها . وليت شعري : أيّ محصّل لكون الفعل اختياريّا بعد تعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة به ؟ !
وأمّا تفسير الآية الكريمة :
« وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
فسيأتي - إن شاء اللّه - تفسيرها وتنقيح البحث فيها عند تفسير قوله تعالى :
« إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
( الدّهر / 28 - 29 ) وقوله تعالى :
« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » .
( التكوير / 27 - 29 )
قوله تعالى :
« هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
( 56 ) » .
بيان : قال في القاموس 4 / 401 : اتّقيت الشيء وتقيته . . . تقاءا - ككساء - : حذرته . والاسم : التقوى ، كان أصله تقياقلبوه للفرق بين الاسم والصّفة .
لمّا ذكر تعالى شيئا من نعوت القرآن ، وقال :
« إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ »
- أي : إنّ القرآن إرشاد وهداية وإيقاظ على نحو الإرشاد والتذكير -
« فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ »
دعا - سبحانه - أولياءه وأولي الألباب من خلقه أن يتذكّروا بعلومه ومعارفه وحقائقه ، وأن يهتدوا بهداياته وأنواره . وهذا البيان نوع تعطّف وحنان منه تعالى على عباده المهتدين والمؤمنين .
وقوله تعالى :
« وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ »
بمنزلة التفريع من الآيات المتقدّمة ؛ أي :
إنّ اللّه الّذي رغّبكم في جنابه وقرّبكم من بابه ، أهل أن يتّقى منه وأحرى أن لا ترتكبوا ما يخالف وينافي مرضاته وشأنه الجليل . فعلى هذا يكون قوله تعالى
« هُوَ أَهْلُ التَّقْوى »
للتّحذير عن إساءة الأدب في حريم كبريائه - سبحانه - على نحو الإرشاد ؛ وللتذكير بالمواظبة والمراقبة في جنب المولى