« ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ »
( 42 ) » . وليس الغرض في الآية حصر جناياتهم بهذه الأربعة فقط ، ولا بيان أنّ المجموع من حيث المجموع علّة لسلوكهم ؛ بل يمكن أن يكون لهم جنايات أخرى غيرها . ويكفي في دخولهم في سقر ، تكذيبهم ليوم الدين وإنكارهم واستحلالهم لشيء من الواجبات الضروريّة والمحرّمات الضروريّة المذكورة في هذه الآيات .
قوله تعالى :
« حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ
( 47 ) » .
أقول : المراد بإتيان اليقين ؛ قيل : أي : إتيان الموت . والمعنى : إنّهم كانوا مداومين على تكذيب يوم الدين ، ما داموا في الحياة ؛ أو مداومين على الأمور المذكورة في الآيات الأربع كذلك .
وقيل : إنّ المراد إشرافهم على الحقائق البرزخيّة بالموت . فإنّ بالموت يرتفع الحجاب ، ويكشف الغطاء ، ويصير الخبر عيانا والغيب شهادة .
فإن قيل : إنّ الظّاهر في الآيات أنّ الجنايات المذكورة ، الموجبة لسلوكهم في سقر ، قد كانت عن علم وعناد ؛ وهي الموجبة لدخولهم ، لا علمهم بذلك بعد الموت .
قلت : قد كانت جناياتهم وتكذيبهم بالتّشكيك والتجاهل والتغافل وعدم الاعتناء والتأمّل في البيّنات والبراهين الحقّة .
قوله تعالى :
« فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
( 48 ) » .
أقول : بعد ما حكى - سبحانه - مساءلة أصحاب اليمين عن المجرمين ، عن وجه سلوكهم في سقر ، وجوابهم عن المساءلة ، ذكر تعالى أنّ هؤلاء الّذين لا ينالون شفاعة أيّ شافع كان . فلا دلالة في الآية الكريمة على نفي فائدة الشّفاعة على الإطلاق . وإنّما تدلّ على نفيها في حقّ المكذّبين فقط . وفيها إشعار وإشارة إلى ثبوتها في حقّ من سوى المكذّبين . وتدلّ على أنّ هناك شافعين فيشفعون ويشفّعون ، وينتفع المذنبون بشفاعتهم .
وقوله تعالى :
« فَما تَنْفَعُهُمْ »
أدلّ وأوضح في طرد المكذّبين عن ساحة رحمته تعالى الواسعة وحرمانهم من شفاعة الشافعين ؛ للفرق الواضح بين قولنا :