تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
- عليه السّلام - وكانوا يحجّون ويغتسلون من الجنابة . وقد تقرّر في محلّه أنّ الحكم في الشّريعة السابقة إذا لم ينسخ ، فهو داخل في أحكام الشّريعة اللاحقة ، وإن كان مشكوكا من حيث النسخ ، فيستصحب ؛ إلّا أنّه لا دليل على وجود الزكاة في شريعة إبراهيم ، كي يكون مشكوكا من حيث النسخ وعدمه ، فيتوقّف تنجّزها على بيان رسول اللّه وإظهاره . والظّاهر أنّ الآية الكريمة قريبة المفاد من قوله تعالى :
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » .
( الماعون / 1 - 3 )
« فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ » .
( البلد / 11 - 16 ) أقول : الدّعّ : الدفع العنيف . يقال : ترب الرجل : إذا افتقر . فالآيات في سورة الماعون توبيخ وتقبيح على من كذّب بالدّين ودفع اليتيم بقهر ونهر عن بابه ؛ وكثيرا ما يكون تحقيرا واستصغارا وايذاءا على أهل الفقر والحاجة ، وتضييعا لشؤونهم ، ويكون حراما . وحيث إنّ التراحم والتعاطف من خصال الإنسانيّة العليا ، تكون الآيات الكريمة في سورة البلد حثّا وترغيبا في فكّ رقاب العباد والاهتمام بحوائج أهل الضّرّ وكشف السّوء عن الأيتام والأرحام . وربّما يكون بحسب المقامات وشدة الاحتياجات واجبا إبقاءا لحياتهم . قوله تعالى :
« وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ
( 45 ) » . أقول : التعبير بالخوض ، كناية عن شدّة اشتغالهم بالأباطيل وانغمارهم في الملاهي ، حيث لا توجّه ولا عناية منهم للأمور العالية والخصال الفاضلة . ولا يخفى أنّ الخوض في أراذل الأمور ، قولا وعملا ، والإفراط فيها من الجنايات الكبيرة ؛ سواء كان بترك الواجبات ، أو بارتكاب المحرّمات . قوله تعالى :
« وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
( 46 ) » ؛ أي : يوم الجزاء والمجازاة للأعمال . وهذه الأمور الأربعة جواب عن مساءلة أصحاب اليمين عنهم بقولهم :