تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قال تعالى :
« فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى . وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
( القيامة / 31 و 32 ) بيان : قد استدلّ بهذه الآية على أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع ؛ أي : بالزكاة والصّلاة المفروضتين . أقول : هذا الاستدلال متوقّف على أن يكون المراد بقوله : « صدّق وصلّى » هي الصّلاة والزكاة . ومن الممكن بل الظّاهر - بشهادة قوله تعالى :
« وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
- أن يكون المراد من قوله تعالى :
« صَدَّقَ »
هو التصديق و
« صَلَّى » ؛
أي : تبع . أي : ما آمن ولا صدّق ما يجب تصديقه من المعارف والحقائق الواضحة الإسلاميّة ، ولا تبع دعوة الحقّ المبين ؛ أي : كذّب بها وأعرض عنها . فعلى هذا يسقط الاستدلال بها في المقام . على أنّ السورة المباركة - على ما قيل - مكّيّة ، ولا زكاة اليوم على المؤمنين ، فضلا عن الكافرين ؛ بناءا على ما قالوا : إنّ الزكاة إنّما افترضت في المدينة بعد الهجرة . أقول : وفي الروايات ما يدلّ على أنّ اللّه تعالى أوجب على الناس ما أوجب من التكاليف ، بعد الإيمان باللّه تعالى ؛ وأنّ موضوع التكاليف هم المؤمنون وكلّ من أقرّ بالدّعوة الظاهرة من المنافقين والشكّاكين والضلّال . ( انظر : البحار 63 / 217 ، 262 ، ج 96 / 104 ، 10 ، 109 ) والعمدة في أدلّة القائلين لهذا القول ، هو الإجماع والدليل العقليّ . أمّا الإجماع ؛ فحيث إنّه مستند إلى الأدلّة الشرعيّة المذكورة في هذا الباب ، فالمتّبع إنّما هذه الأدلّة وتحليلها وتجزئتها ، لا الإجماع بما هو إجماع . وأمّا الدليل العقلي فهو : إنّه قد تقرّر في محلّه أنّه لا ريب في حسن التّكليف . لأنّ اللّه تعالى لا يفعل إلا حسنا جميلا ، فإنّ ذلك تعريض للثواب وتشويق للمكلّفين لنيل هذه المثوبات الحسنة الجميلة ؛ فلا وجه لتقييده بغير الكافر فقط . فإنّ عصيان الكافر وامتناع صحّة العمل منه ، إنّما نشأ من سوء اختياره . والممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار . أقول : هذا الدليل إنّما يكفي لرفع الاستحالة . وهو غير ناهض لإثبات