تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
عقل وعرف - وهي العبادة والعبوديّة للّه - جلّ شأنه - بمعناها اللّغوي ؛ أي : التذلّل والاستكانة للّه تعالى ؛ وأمرهم أن يعبدوه - سبحانه - وأن لا يستكبروا ولا يستنكفوا من عبادته ، وأن لا يعبدوا إلّا اللّه مخلصين له الدين . وكذلك نهاهم من أكبر الكبائر ، وهي معصية الشرك باللّه العظيم - وهو الظّلم العظيم - بقوله تعالى :
« فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » .
وقوله تعالى :
« وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
احتجاج منه تعالى وإنكار منه - سبحانه - على عبادة مخلوق لمخلوق مثله دون خالق الخلق أجمعين . واحتجاج أيضا بما أودع اللّه تعالى في ذواتهم من شعاع المعرفة الفطريّة الّتي فطر اللّه الناس عليها . فيأخذ اللّه تعالى الغافلين والمتغافلين بالبأساء والضرّاء ويوقعهم في الاضطرار والبلاء ، فيضلّ عنهم آلهتهم الّتي يدعونها ويعبدونها ، فيتضرّعون إليه تعالى ويدعونه دعاء الغريق . فيعرّفهم تعالى نفسه ، فيعرفونه - سبحانه - عيانا منهم . فلمّا كشف الضرّ عنهم ونجّاهم ، نسوه تعالى ؛ فإذا هم مشركون . وأمّا أولياؤه تعالى فعند إقبالهم إلى جنابه وانقطاعهم عن جميع ما سواه ، تتنزّل عليهم السّكينة ، فتطمئنّ بها قلوبهم وينشرح بها صدورهم . ويمكن الاستدلال بقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ » .
( النساء / 1 ، الحجّ / 1 ) أقول : هذه الآيات الثلاث يأمر تعالى فيها بالتذلّل والتّواضع له تعالى والاتّقاء والاحتراز عن إساءة الأدب في ساحته - سبحانه - وهي احكام عقليّة ضروريّة ، فكون الأمر فيها أمرا إرشاديّا خارجا عن محلّ النّزاع وهي الأحكام المولويّة . ويمكن الاستدلال أيضا بقوله تعالى :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . » .
( آل عمران / 97 ) بيان : قد يتوهّم في بدو النظر أنّ الموضوع لوجوب الحجّ هم الناس على العموم ؛ الّا أنّ قوله تعالى :
« وَمَنْ كَفَرَ . . » .
قرينة قاطعة على أنّ الموضوع هم الناس المسلمون . والظّاهر أنّ المراد من الكفر هو الكفر بالعصيان ، لا الكفر بالإلحاد .