أقول : يجب تقييد هذا الإطلاق بقوله :
« رَهِينَةٌ » .
ضرورة أنّ أهل الإيمان والتقوى غير مرهون ممّا يكون مرهونا به أهل العصيان ، بل أولياؤه تعالى المتّقون عتقاء في ساحة الأمن والأمان من اللّه - سبحانه - وفي حريم كرامته تعالى .
فعلى هذا يكون المراد ممّا كسبت ، ما كسبت بالمعاصي ، واجتمعت عليه من تبعات الذنوب وآثار أعمالها ، أي استحقاق الأخذ والعقوبة والحرمان والخذلان والهوان والشقاء وحبط الحسنات . فهذه النفس العاصية رهان مقبوضة عند اللّه - سبحانه - بهذه التبعات ، بأمر اللّه تعالى وإرادته وقضائه العدل الحكيم ، حتّى يفكّها ويطلقها بصالح الأعمال ، أو تدركها الرّحمة الإلهيّة ، فيكفّر عنه آثار سيّئاته تفضّلا ، إن كانت من أهل التوحيد .
وقيل : إنّ المراد بكون النّفس رهينة بما عملت ، أي : رهينة في مقابل حقّ ثابت للّه تعالى على جميع عباده الواجدين لشرائط التّكليف ؛ وهو حقّ العبوديّة للّه - سبحانه - والإيمان به تعالى والعمل بما يتوجّه إليه من التّكاليف بضرورة من العقل والنقل . فمن آمن وأطاع وأصلح ، فقد فكّ وأطلق من الرّهان ، ووفى بالعهد الثابت والميثاق المأخوذ الثابت . ومن كفر وأجرم ، ومات على ذلك ، فهو محبوس عند اللّه تعالى ومحبوس في مقابل العهد الثابت دائما .
أقول : هذا البيان ، وإن كان حقّا في حدّ نفسه ، إلّا أنّه خارج عن مفاد الآية الكريمة . فإنّ مفادها أنّ كلّ نفس رهينة في مقابل ما كسبت واجتمعت وتراكمت عليها من آثار الذنوب وتبعات المعاصي ، إلى أن تتخلّص منها ؛ لأنّها رهينة في مقابل ما ضيّعت من حقّ اللّه تعالى إلى أن تؤدّي حقّ اللّه ، وتوفّي دينه - جلّ ثناؤه .
قوله تعالى :
« إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ » .
بيان : قال في القاموس 4 / 278 : اليمين : ضدّ اليسار ، ج : أيمن وأيمان وأيامن وأيامين ، والبركة ، والقوّة . . .
« كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ »
[ الصافّات / 28 ] أي : تخدعوننا بأقوى الأسباب .