تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
فَاحْذَرُوهُ » .
( البقرة / 235 ) وغيرها من الموارد . وقد شاع إطلاق النفس في اصطلاح أهل الفلسفة والعرفان على الرّوح المجرّدة بالمعنى المعروف عندهم . واختلط ذلك بالمعاني اللّغويّة الواردة في الكتاب والسنّة . أقول : الظّاهر في الآية الكريمة أنّ المراد بالنّفس هو الإنسان الواجد لجميع شرائط التكليف . والباء في قوله تعالى :
« بِما كَسَبَتْ »
للمقابلة أو للسّببيّة . وقوله تعالى :
« رَهِينَةٌ » ؛
أي : مرهونة ومأخوذة . قال الشّيخ ( قده ) في التّبيان 10 / 185 : الرهن : أخذ الشيء بأمر ، على أن لا يردّ إلّا بالخروج منه . فالمعنى : إنّ كلّ إنسان أجرم وعصى ، مرهونة بتبعات ذنوبه وآثار أعماله ، حتّى يخرج ويتخلّص منها بتكفيرها بحسنات أعماله أو بعفوه تعالى بفضله . قال الزمخشريّ في الكشّاف 4 / 186 :
« رَهِينَةٌ »
ليست بتأنيث رهين في قوله :
« كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ »
( الطّور / 21 ) لتأنيث النفس . لأنّه لو قصدت الصّفة ، لقيل : رهين . لأنّ فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكّر والمؤنّث . وإنّما هي اسم بمعنى الرّهن كالشتيمة بمعنى الشتم . كأنّه قيل : كلّ نفس بما كسبت رهن . أقول : قد أورد كلام الزمخشريّ بعض من تأخّر عنه ، من غير اعتراض وإنكار عليه ، كأنّهم قد رضوا به . ( تفسير الرازي 30 / 211 ) ولا يخفى ما فيه من الضّعف . فإنّ تلك القاعدة ونظائرها سماعيّة ومنشأ تلك القواعد هو استقراء كلام العرب الموثوق بعربيّتهم . فيدور الأمر بين نقض تلك القاعدة من حيث عدم حصول الاستقراء الكامل والفحص البالغ ، وبين توجيه الآية وصرفها عن ظاهرها لوجود تلك القاعدة العليلة . ولا ترجيح لتقديم القاعدة وتأويل الآية لأجلها . وظاهر قوله تعالى :
« بِما كَسَبَتْ »
هو الإطلاق في « ما » . أي : في مقابل ما عملت من طاعة أو معصية . وهو صريح عبارة التبيان 10 / 185 ومجمع البيان 10 / 391 .