الأمر الثّاني : قيل : إنّ « نَذِيراً »
تمييز
من
« لَإِحْدَى » .
أي : إنّ سقر لإحدى الدواهي الكبر ، من حيث كونها نذيرا .
وقيل : إنّه حال من سقر . أي : من أكبر الدواهي والمصائب حال كونها نذيرا . ( تفسير الرازي 30 / 209 )
أقول : يرد على كلا الوجهين : أنّ سقر من جملة عوالم النّار ، ومن جملة الغيوب الّتي هي موجودة عينيّة خارجيّة ، ومن أشدّ الدواهي على الإطلاق في جميع شؤونها ، ولا محصّل لتقييد كبرها بحيث كونها نذيرا ، ولا لكونها داهية كبيرة حال كونها نذيرا . هذا أوّلا .
وثانيا : انّ سقر وغيرها من عوالم النّار وما فيها من جملة ما ينذر ويهدّد بها الكفّار والعصاة . ولا يصحّ توصيف سقر ونظائرها من الأمور الشداد ، بكونها نذيرا ومنذرا . وإنّما يتّصف بالنذير والمنذر الرجال والأشخاص ، أو الكتب والصّحف أيضا بضرب من العناية . وكذلك الكلام في جميع ما ينذر به الناس في الدنيا من سطواته تعالى وبأسه وبطشه على المجرمين والظّالمين من الصاعقة والصّيحة ، وطرده تعالى المجرمين عن ساحته الكريمة .
وقوله تعالى :
« لِلْبَشَرِ »
جنس محلّى بلام الاستغراق أي : كلّ من يعقل ويعرف التخويف والإنذار .
إن قلت : إنّ الإنذار إنّما هو في مورد الكفّار والعصاة . فما بال المحسنين والمؤمنين وما وجه توجيه الإنذار إليهم ؟ ! وإنّما ذلك موطن البشرى والإحسان والكرامة عليهم !
قلت : الإنذار والتبشير في مرتبة مقدّمة على الإحسان والعصيان ، كي يؤمنوا ويحسنوا ويرتدعوا عن الكفر والعصيان . والآيات المباركات في توجيه الإنذار إلى جميع النّاس - المؤمن والكافر ، والصالح والفاجر - كثيرة في القرآن الكريم . وما يتراءى في بعض الآيات من توجيه الإنذار إلى المؤمنين والمسلمين ، إنّما هو في مقام المدح والثّناء على المؤمنين والصّالحين ، من حيث تأثير الإنذار في إصلاحهم وقبولهم دعوة الحقّ . قال تعالى :
« إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها » .
( النازعات / 45 )