تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
قوله تعالى :
« كَلَّا وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ
( 34 ) » . بيان : ظاهر عبارات عدّة من المفسّرين على ما ظفرنا بها أنّ
« كَلَّا »
في أمثال هذا المقام للرّدع والزجر . وبديهيّ أنّ القول بالرّدع لا يستقيم إلّا أن يكون ما قبل
« كَلَّا »
قولا منكرا ، أو فعلا رديّا ، كي يكون
« كَلَّا »
ردعا عنه . والآية المبحوثة ليست من هذا القبيل كما هو واضح . وقد تكلّف بعضهم في إثبات معنى الرّدع في الآية ، وفي توضيحه وتوجيهه بالوجوه الضّعيفة الّتي لا جدوى لإيرادها في المقام . قال ابن هشام في المغني 1 / 249 ما خلاصته : إنّ بعضهم قد أفرطوا في هذا الباب وقالوا : إنّ « كلا » في السّور المكّيّة كلّها للرّدع والزّجر . فإنّ المخاطبة فيها مع أهل العتوّ والعصيان . ثمّ أورد عليه أنّه لا يمكن الالتزام بذلك على الإطلاق ، لجواز اختلاف المقامات في باب المخاطبة والمحاورة . ولا يجوز القول بالرّدع في قوله تعالى :
« فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ »
[ الانفطار / 8 و 9 ] وفي قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
- إلى قوله تعالى : -
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ . كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ » .
[ القيامة / 17 - 20 ] فعن الكسائيّ ومتابعيه أنّها بمعنى « حقا » وعن أبي حاتم أنّها بمعنى « ألا » الاستفتاحيّة . وعن النضر بن شميل أنّها بمعنى « نعم » . وقول أبي حاتم عندي أولى . أقول : الظّاهر أنّ
« كَلَّا »
في هذا المقام بمعنى « حقا » أريد بها تأكيد مفاد الجملة ، ثمّ تأكيدها بالقسم ، ثمّ تأكيدها ب « إن » المشدّدة ، ثمّ تأكيدها باللّام المؤكّدة . وقد أقسم تعالى بالقمر وباللّيل إذا أدبر ؛ أي : تولّى وكاد أن ينقضي ، وينطبق على أواخر اللّيل . وأقسم بالصّبح أيضا إذا أسفر ؛ أي : انكشف وضاء . قال في مرآة الأنوار / 178 : « السّفر - بسكون الفاء - : الكشف