أقول : القدر المتيقّن من تلك الوسائط أنّ الملائكة الكرام والرّسل العظام وأولياءه تعالى المجاهدين في سبيل اللّه ، عباد مختارون مكرمون ، ويفعلون ما يؤمرون حسب اختيارهم ، ولا يعصون اللّه حسب عصمتهم وطهارتهم . وأمّا القول باختيار ما سواهم ، فيحتاج إلى فحص بالغ من الكتاب والسّنة . فإن ظفر بشيء ، فهو المطلوب ؛ وإلّا فيوكل علمه إلى اللّه - سبحانه .
وأمّا إطلاق الجنود على تلك الوسائط ، فلا يبعد أن يكون من باب الاشتراك اللّفظي . واللّه العالم .
قوله تعالى :
« وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
( 31 ) » .
قال في المجمع 10 / 389 :
ثمّ رجع إلى ذكر سقر ، فقال :
« وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » ؛
أي : تذكرة وموعظة للعالم ، ليتذكّروا فيجتنبوا ما يستوجبون به ذلك .
وقيل : معناه : وما هذه النّار في الدنيا ، إلّا تذكرة للبشر من نار الآخرة ؛ حتّى يتفكّروا فيها ، فيحذروا نار الآخرة .
وقيل : ما هذه السّورة إلّا تذكرة للنّاس .
وقيل : ما هذه الملائكة التسعة عشر ، إلّا عبرة للخلق ، يستدلّون بها على كمال قدرة اللّه تعالى ، فينزجرون عن المعاصي .
أقول : القول الثاني ساقط جدّا .
وأمّا القول الرابع ، فيرد عليه أنّ التذكرة والذكرى والعبرة والاعتبار ، إنّما هو في الأمور الفطريّة الإرشاديّة . وأمّا في مورد سقر وغيرها من عوالم النّار وكذا في مورد الملائكة وكونهم وسائط لأفعاله تعالى وكونهم تسعة عشر ، فلا محصّل للتذكّر والاعتبار فيها وفي نظائرها . ضرورة أنّ تلك الموارد من جملة الغيوب الّتي ضرب اللّه عليها الحجاب العمديّ ، فلا يمكن نيل تلك الغيوب وعيانها ومشاهدتها مثل ما يناله النّاس من الأمور الفطريّة والحقائق الإرشاديّة . وكذلك لا مطمع في نيلها ومشاهدتها طبق السنّة الجارية في باب التعاليم في العلوم الطبيعيّة ، على ما هو المتعارف . فالسّبيل الوحيد في العلم والإيقان بهذه الحقائق الغيبيّة ، هو إخباره تعالى بها على ألسنة أنبيائه