تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
أعوان . والوجه في إضافة الجند إليه تعالى أنّ من سنته القيّمة أن جعل لأفعاله الحكيمة أسبابا ووسائط من خلقه ، يسلّط من يشاء من خلقه على من يشاء منه ؛ سواء كانت هذه الأفعال في سبيل فضله وإحسانه ، أو في سبيل قهره وانتقامه . فأتقن بذلك نظام خلقه . وقد سخّر الشّمس والقمر والرياح والمياه والأمطار والهواء وغيرها من الأسباب ما لا يحصيه إلا اللّه في هلاك الأمم الطّاغية واستيصال الأقوام الظالمة . إذا تقرّر ذلك ، فنقول : هل المراد بالجنود هي الوسائط الواقعة في كلا الطّرفين من أفعاله تعالى - أي الفضل والإحسان ، أو القهر والانتقام - أو المراد بها هي الوسائط الواقعة في طريق القهر والعدل فقط ؟ والقدر المسلّم من الآيات هو الثاني . قال تعالى :
« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » .
( الصّافّات / 171 - 173 )
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها » .
( الأحزاب / 9 )
« ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها » .
( التوبة / 26 )
« فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » .
( التوبة / 40 )
« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
( الفتح / 4 ) فاتّضح ممّا ذكرناه أنّ الجنود المنسوبة إلى الملوك والملوك ، مخلوقون في عرض سواء ، مركوزون في حاقّ الفقر والذلّة ، يتناصرون أيّاما حسب إمهاله تعالى وإملائه - سبحانه - لهم . أمّا الجنود المنسوبة إليه تعالى ، فإنّه - سبحانه - خلقهم ، وجعلهم وسائط لأفعاله وإنفاذ قضائه الحكيم في خلقه بأمره وباذنه في سبيل قهره وبطشه - على ما أشرنا إليه من ظواهر بعض الآيات - أو في سبيل فضله وإحسانه . سواء قلنا : إنّ أولئك الجنود مختارون مستطيعون لإنفاذ أمره - سبحانه - ؛ أو قلنا : إنّهم مضطرّون مقهورون ومثلهم مثل القلم في يد الكاتب ؛ أو قلنا : إنّ بعضا من تلك الوسائط مختارون وبعضا منها مضطرّون مقهورون .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 201 | محمد باقر الملكي الميانجي