وساوسهم ورين قلوبهم ؛ كما أشرنا إليه فيما تقدّم .
وأمّا الكلام في طرف الهداية ؛ فمن آمن واهتدى وأذعن وأخلص فيما عمل ، أقبل اللّه - سبحانه - إليه بكرامته وهدايته ، فيزيدهم إيمانا على إيمانهم ، وهداية على هدايتهم . قال تعالى :
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » .
( محمد - صلّى اللّه عليه وآله / 17 )
فسبحانه من إله ما أحمد سنّته وأجمل صنعه بالنسبة إلى أوليائه وأهل الوفاء به !
وقوله تعالى :
« يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
لا دلالة فيها على أنّ من النّاس من لم يشأ اللّه هدايته . وأقصى ما يدلّ عليه الآية أنّ هدايته تعالى معلّقة وموقوفة على مشيّته . وكذلك الكلام في قوله تعالى :
« يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ » .
فتحصّل في المقام أنّ كفر الكافرين وريب المنافقين يبتني ويستند إلى سوء اختيارهم .
قوله تعالى :
« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » .
يعلم أحد ولا يعرف تلك الجنود بجميعها ، من حيث حقائقها وأنواعها وأشخاصها وأعدادها والشؤون الّتي وكّلت تلك الجنود بإنفاذ أمره تعالى فيها ، إلّا اللّه - سبحانه - أو من علّمه إيّاها .
ولعلّ في الآية الكريمة تعريضا بيّنا على الّذين في قلوبهم مرض وعلى الكافرين ، لامتناعهم عن التعبّد بهذا العدد القليل في قوله تعالى :
« عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ » .
وقوله تعالى هذا توصيف خزنة النّار في سقر . والمعنى أنّ الأمر في جنوده تعالى وفي شأنها الخطير ، أعظم من أن يدركوه بهذه الأفهام المحدودة الضّعيفة ، وأجنبيّ عمّا توهّمه هؤلاء الكفّار من استبعادهم في توصيف جنوده بهذه العدّة القليلة منحصرا .
والجنود هي العساكر الّتي يستنصر بها الأمراء والملوك على أعدائهم ، ويستعدّون بها في الدّفاع والامتناع عن أنفسهم وحريمهم . وربّنا - جلّ ثناؤه - غنيّ عن الاستنصار والاستمداد عن الغير ؛ وهو السّلطان الممتنع بغير جنود ولا