« لا ترتابوا ، فتشكّوا . ولا تشكّوا ، فتكفروا . ولا ترخّصوا لأنفسكم ، فتدهنوا » .
فتبيّن في المقام أنّ كلّا من الجملتين مباين للآخر ، من حيث مفادهما ومن حيث الوجوب والتحريم المستفاد منهما .
قوله تعالى :
« وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا » .
بيان : قيل : إنّ اللام في قوله تعالى :
« وَلِيَقُولَ »
للعاقبة ؛ مثل قوله تعالى :
« فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » .
( مجمع البيان 10 / 389 والآية في القصص / 8 )
أقول : هذا غير واضح . وقياس المقام بهذه الآية المذكورة ، في غير محلّه . فإنّ عاقبة أمر اللّقيط مع فرعون وآل فرعون قد كان من جهل آل فرعون بأمر اللّقيط وبشؤونه . ففي الآية المذكورة كان مدلول الّلام بحسب عنايته تعالى وحكمته وتدبيره في أمر اللّقيط ، هي العاقبة بخلاف الآية المبحوثة فإنّ الظّاهر أنّ اللّام فيها للغاية ، وهي قريبة السياق ممّا قبلها . وعطف هذه الجملة على سابقتها يفيد أنّ هذا المورد من جملة الغايات المذكورة .
قوله تعالى :
« فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » .
قيل : إنّ المرض هو النّفاق . واستشكل عليه بأنّ السّورة مكّيّة ولانفاق اليوم بمكّة . فإنّ النفاق إنّما يكون من خوف السّيف ، ولا سيف اليوم بمكّة .
وأجيب عنه : أنّ سبب النفاق غير منحصر في خوف السّيف ، بل قد يكون لأغراض أخرى مثل أن تكون الآية للاخبار عمّا سيكون من النّفاق . وهذا من باب الإخبار عن الغيب الّذي يتحقّق في المدينة . ( تفسير الرازي 30 / 207 )
أقول : الإشكال مندفع من أصله ولا احتياج إلى الجواب . فإنّ القضيّة في هذه الآية ونظائرها من القضايا الحقيقيّة ، وموضوع الحكم فيها لا يكون أمرا موجودا شخصيّا بحسب الخارج ، بل يكون مفروضا مقدّرا .
وقيل : إنّ المراد من المرض ، الشكّ . وفي التّبيان 10 / 182 : الشك والنفاق .