تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
قوله تعالى :
« وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً » .
بيان : ذكر تعالى أنّه - سبحانه - ما جعل عدّة الموكّلين بالنّار إلّا فتنة للكافرين ، وامتحانا واختبارا لهم ، وموجبا لاستيقان أهل الكتاب وازدياد إيمان المؤمنين ، إلى آخر الغايات المذكورة في هذه الآيات . ولا يخفى أنّ ترتّب الغايات المذكورة ، ليست منوطة بجعله تعالى هذه العدّة متولّية على النّار بحسب الواقع ونفس الأمر ؛ وإنّما يترتّب على ذكر العدّة في القرآن الكريم وإعلامه على أهل العالم . ولعلّ الوجه في كون هذا العدد موجبا للافتتان أنّ أهل التعبّد والتسليم يعرفون أنّ اللّه - سبحانه - عالم حكيم قدّوس ، لا يفعل إلّا ما هو الأصلح . وهذا بخلاف الكفّار الجاهلين بنعوته تعالى الحسنى وسننه الحميدة الجميلة ، يخوضون فيه بالقيل والقال والسخريّة والإلحاد والتّكذيب والتكلّم بما يجوز وما لا يجوز ولا ينبغي . قوله تعالى :
« لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً » .
أقول : يمكن أن يقال : إنّ الاستيقان هو التحرّي والتصدّي لتحصيل اليقين . أي : أهل الكتاب المترصّدون لطلب الحقّ ، عرفوا أنّ هذه الحقيقة الغيبيّة المذكورة موافقة لما يجدونه في كتبهم وأسفارهم . ويجوز أن يقال : إنّ الاستيقان في الآية الكريمة ليس بمعنى الطّلب والتحرّي ، بل المراد هو تقرّر اليقين وحصوله في النّفس ؛ مثل مستيقن ومستكبر ونظائرها . وذلك للتوافق والتصادق بين القرآن الكريم وما بين أيديهم من الكتب الإلهيّة . وقوله تعالى :
« وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً »
عطف على قوله :
« لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ . . . »
والظّاهر أنّه ليس المراد منه المؤمنين من أهل الكتاب ، بل الظاهر أنّ المراد أنّهم المؤمنون من غيرهم . وإن أبيت ذلك ، فالمرجع هو الإطلاق في قوله تعالى :
« آمَنُوا » .
فلا دليل لما يمكن أن يتوهّم أنّ السّبب لازدياد إيمان المؤمنين هو استيقان