نكست رؤوسنا وفضحتنا ، وأشمت بنا عدوّنا ، وصبوت إلى دين محمّد ؟ ! فقال : ما صبوت إلى دينه ، ولكنّي سمعت كلاما صعبا تقشعرّ منه الجلود . فقال له أبو جهل : أخطب هو ؟ قال : لا إنّ الخطب كلام متّصل ، وهذا الكلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا . قال : أفشعر هو ؟ قال : لا . أما إنّى قد ( لقد ) سمعت أشعار العرب ؛ بسيطها ومديدها ورملها ورجزها . وما هو بشعر . قال : فما هو ؟ قال :
دعني أفكّر فيه .
فلمّا كان من الغد ، قالوا له : يا أبا عبد شمس ما تقول فيما قلنا ؟ قال :
قولوا : هو سحر . فإنّه آخذ بقلوب الناس . فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - على رسول اللّه في ذلك :
« ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . . » .
قوله تعالى :
« سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
( 26 ) » .
قال في القاموس 4 / 352 : صلى اللّحم يصليه صليا : شواه ، أو ألقاه في النار .
وفيه أيضا 2 / 50 : سقر - محرّكة معرفة - : جهنّم - أعاذنا اللّه تعالى منها .
والظاهر أنّه أراد بقوله : معرفة أنّ سقر غير منصرف للعلميّة والتأنيث .
فالمعنى : سألقيه في سقر وأدخله إيّاها وأشويه بها .
قوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ
( 27 ) » .
إعظام لأمرها ، وبيان لشدّة حرّها ، وأنّ أهوالها أشدّ وأدهى .
وقوله تعالى :
« سَأُصْلِيهِ . . » .
تهديد آخر على الوليد ، بعد تهديده تعالى إيّاه بهلاكه في الدنيا بقوله - سبحانه - :
« ذَرْنِي . . » . ؛
وبعد تهديده تعالى إيّاه بعذاب الآخرة بقوله :
« سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً » .
ولا يبعد أن يقال : إنّ الفرق بينهما باختلاف مواقف العذاب ومواطنه . فإنّ لجهنّم مواقف ودركات . والظّاهر أنّ قوله تعالى هذا أشدّ لحنا من قوله - سبحانه - :
« سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً » .
فعلى هذا لا يمكن الالتزام بما ذكره بعض المفسّرين أنّ قوله :
« سَأُصْلِيهِ سَقَرَ »
بدل من قوله تعالى :
« سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً » .
لإمكان أن يكون كلّ واحدة من الآيتين ناظرة إلى موقف ودرك مستقلّ غير الآخر ، فلا غناء بذكر الثاني عن الاوّل .