قوله تعالى :
« فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
( 24 ) » .
هذا هو تقديره الفاسد ونظره الميشوم ؛ حيث رمى بشيطنته ومغالطته أنّه سحر يؤثر . وقوله :
« يُؤْثَرُ »
مأخوذ من الإيثار ، وهو الاختيار . ذكره في القاموس 1 / 362 . والمعنى : إنّه اختار هذا السّحر على غيره من أنواع السّحر . والظّاهر أنّ المراد : إنّه سحر مأخوذ من الأقوام الماضين الآخرين .
قوله تعالى :
« إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
( 25 ) » .
أقول : قد فكّر اللّعين وقدّر أنه سحر يؤثر . والسّحر مع أنّه عمل عاديّ ، خارج عن وسع قريش الأمّيّ الّذين ليس لهم بصيرة في السحر ، ولهذا لم يعرفوا كذب قول وليد بأنّ القرآن سحر يؤثر ، فلا محالة قد وقعوا في ضلال مبين .
وبقوله : إن هذا الّا قول البشر أوقعهم في ضلال عجيب . وأشاع هذه الكلمة الكاذبة بينهم . فقتله - سبحانه - وجعله موعظة للمتّقين وعبرة لمن اعتبر .
أقول : قد وردت في عدّة من الروايات كيفيّة مبارزة الوليد القرآن الكريم وخذلانه وعجزه واعترافه بأنّه ليس من جملة ما يتداوله خطباء العرب وشعراؤهم ولا يشبه شيئا من ذلك . ( انظر : نور الثقلين 5 / 455 )
ففي السّيرة النبويّة لابن هشام 1 / 288 قال : ثمّ إنّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سنّ فيهم ، وقد حضر الموسم . فقال لهم : يا معشر قريش ، إنّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا . فاجمعوا فيه رأيا واحدا . ولا تختلفوا ، فيكذّب بعضكم بعضا ، ويردّ قولكم بعضه بعضا .
قالوا : فأنت - يا أبا عبد شمس - فقل وأقم لنا رأيا نقول به . قال : بل أنتم فقولوا ، أسمع .
قالوا : نقول : كاهن . قال : لا واللّه ، ما هو بكاهن . لقد رأينا الكهّان ؛ فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه .
قالوا : فنقول : مجنون . قال : ما هو بمجنون . لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته .
قالوا : فنقول : شاعر . قال : ما هو بشاعر . لقد عرفنا الشعر كلّه ؛ رجزه