ويهلكه ويسلب نعماءه ، انتقاما ومجازاة على لجاجه وخصامه .
قوله تعالى :
« ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
( 20 ) » .
قد قيل : إنّ تكرار ذلك تأكيد للدّعاء بقتله والعناية البالغة بهلاكه . وفي هذا دلالة على أنّ قوله تعالى :
« فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ »
ليس لاحتقار كيده وللاستهزاء بسعيه وتقديره ، بل تعجيبا واهتماما لمكره وإضلاله الناس .
قوله تعالى :
« ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
( 22 ) » .
أقول : الظّاهر أنّ هذا النّظر ليس لغرض التفهّم ولتفريق الحقّ من الباطل فإنّ الآيات المتقدّمة صريحة في أنّ اللّعين قد أبرم كيده ، واستحقّ البأس الشديد من اللّه - سبحانه - وقد حكم بهلاكه . بل يمكن أن يقال : إنّ هذا النّظر في إحكام ما قدّره وإنفاذ ما دبّره .
والمعنى : إنّه نظر عابسا وباسرا . والعبوس هو انقباض الوجه ، وهو خلاف الانبساط والبشاشة .
قال في القاموس 1 / 371 : بسر : أعجل وعبس وقهر . والقرحة : نكأها قبل النضج .
أقول : لا يناسب شيء ممّا ذكره في تفسير المقام .
قال الرازي في تفسيره 30 / 201 : قال اللّيث : عبس يعبس فهو عابس :
إذا قطب ما بين عينيه . فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه ، قيل : كلح فإن اهتمّ لذلك وفكّر فيه ، قيل : بسر . فإن غضب مع ذلك ، قيل : بسل .
قوله تعالى :
« ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
( 23 ) » ؛ أي : أعرض عمّا يجب عليه الإقبال فيه من الحقّ ، وترفّع على ما يجب عليه التواضع عنده والإيمان والإذعان بما جاء به القرآن الكريم .
ولعلّ وجه عبوسه وبسوره ، لشدّة غضبه وغيظه على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وعلى القرآن الكريم ، حيث إنّه وقع في مقابل أمر عظيم ؛ أو لأنّ مخالفته ومبارزته مع القرآن الكريم مكابرة مع صريح وجدانه وعرفانه الحقّ المبين ، وقد قامت عنده الحجّة الواضحة الإلهيّة .