السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » .
[ الأنعام / 1 ] فمعنى
« ثُمَّ »
هاهنا للإنكار والتّعجّب .
أقول : كم فرقا بين المقيس والمقيس عليه . ضرورة أنّ قوله تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ . . » .
قد حمد تعالى نفسه وأثنى عليه ، بخلق ما هو من أكبر آياته من خلق السّموات والأرض وجعل الظّلمات والنّور الّتي تشهد على ألوهيّته وربوبيّته ؛ وقد تجلّى - سبحانه - بهذه الآيات على آفاق العقول . ثمّ ذكر - سبحانه - على سبيل الإنكار والتوبيخ إنكارهم وجحودهم هذه الآيات البيّنة والبراهين الساطعة . ولا دلالة فيها على شيء من التعجّب .
وأمّا الآية المبحوثة ، فقد ذكرنا أنّه تعالى ذكر فيها تكاثر نعمه على إنسان مشرك ظلوم جهول إملاءا واستدراجا ، على سبيل الاحتجاج والتوبيخ .
وقوله : « ثم يطمع أنّ أزيد » قد وقع في سياق التوبيخ والتّشنيع ، لا على سبيل الحكاية فقط فليس بين الآيتين مناسبة ولا مشاركة بوجه أصلا .
قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً
( 16 ) » .
قد ذكر المفسّرون أنّ
« كَلَّا »
للّردع ، وقوله :
« إِنَّهُ كانَ . . » . ،
في مرحلة التعليل لهذا الرّدع .
أقول : هذا غير واضح . إذ قد عرفت أنّ الآيات الأربع السّابقة مسوقة للاحتجاج والتوبيخ ، لا على سبيل الحكاية فقط . فلا يستقيم أن يردع ويمنع عنه . هذا أوّلا .
وأمّا ثانيا ؛ فما ذكره المفسّرون من أنّ قوله تعالى :
« إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً »
تعليل للرّدع المذكور ، غير واضح . فإنّ كونه عنيدا لآيات اللّه - سبحانه - قد كان لا يزال معه ، فليس أمرا جديدا ؛ فلا بدّ أن يكون هذا الردع والمنع من أوّل ما كلّف بالإيمان باللّه وبتوحيده والتسليم لأمره - سبحانه .
والّذي يمكن أن يقال : إنّ قوله تعالى :
« إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً »
تعليل لقوله تعالى :
« ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » .
أي هذا تهديد شديد وإعلام منه تعالى إيّاه أنّه قد حان أن ينتقم منه ، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ويجعله موعظة للمتّقين وعبرة لقوم يعقلون . وعلى هذا يكون قوله :
« كَلَّا »
للاستفتاح ؛ كما ذكره