بيان : قال المولى المحقّق الأردبيليّ - قدّس سرّه - في زبدة البيان / 203 :
لا تحبطوا أجر الصّدقة بكلّ واحد من المنّ والأذى ، كإبطال المرائي إنفاقه الّذي لا يريد به رضى اللّه ولا ثواب الآخرة .
أقول : الظّاهر أنّ مراده من إحباط الأجر ، إحباط الأجر بإحباط العمل .
فإنّ الآية الكريمة ظاهرة في بطلان عمل الصّدقات . وفيها توبيخ شديد على من تصدّق وأبطله بالمنّ والأذى وجعله مثل الرياء الّذي هو الشرك الأصغر .
ولا يبعد الاستشهاد بها على حرمة المنّ والأذى ، بل هي صريحة في ذلك .
فتعيّن أنّ متعلّق التحريم والإبطال هي الصّدقة بالمنّ والأذى . وإن شئت فقل : المنّ بالصّدقة ، مثل إنفاق المرائي ماله رئاء الناس ، أي رئاءه بالإنفاق . فليس المراد تحريم المنّ والأذى بعد الصّدقة ، كما هو مفاد قوله تعالى :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
( البقرة / 262 ) فكم فرقا بين مفاد الآيتين ، وبين المنّ بعد الصّدقة الصحيحة الثابت ثوابها .
فلا محالة تكون الآيتان ظاهرتين في بطلان الصّدقة وبطلان ثوابها أيضا ببطلان أصلها ؛ بخلاف قوله تعالى :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا . . . »
فلا دلالة فيها على بطلان أصل الصّدقة بل يمكن الاستظهار بها على بطلان ثوابها . وقد تقرّر في محلّه أنّ كلّ عمل صحيح أتي به بقصد الأمر وبقصد الاخلاص ، يشترط في قبوله وترتّب الثواب عليه التقوى . قال تعالى :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » .
( المائدة / 27 )
في تفسير العيّاشى 1 / 147 ، عن المفضّل بن صالح ، عن بعض أصحابه ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبي جعفر - عليه السّلام - في قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى . . » .
قال : نزلت في عثمان . وجرت في معاوية وأتباعهما .
أقول : فيه دلالة على أنّ المراد من المرائي الّذي ينفق ماله هو المنافق لا الكافر . لأنّ الكفّار بحسب الظاهر لا يتصدّقون بشيء حتّى يكون رئاءا أو غير رئاء .