تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من الإطلاق في قوله تعالى :
« لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ »
في معرض التخصيص ؛ وعلى عهدة الفقيه ، الفحص والبحث عن المقيّدات . وإن أصاب بشيء منها ، فذاك ؛ والّا فالمرجع هو الإطلاق في هذه الآية ونظائرها . قوله تعالى :
« وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
( 7 ) » . بيان : لا كلام في فضيلة الصّبر ووجوبه أحيانا عقلا ، وأنّ الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . والآية الكريمة مطلقة من حيث متعلّق الصّبر وشاملة لجميع أنواع الصّبر ؛ أي : إرشاد وتذكرة إلى فضيلة جميع أنواع الصّبر : الصّبر على المصيبة والصّبر على الطّاعة والصّبر عن المعاصي . فيجب عقلا القيام والمجاهدة لإيجاد الصّبر . والظّاهر أنّ توجيه الخطاب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - بعناية اهتمام خاصّ في حقّه - صلّى اللّه عليه وآله - في الصبر على حمل أثقال النبوّة والرسالة وأحمالها الخطيرة . فلا يفيد اختصاص الامر به - صلّى اللّه عليه وآله . وقد تقرّر في محلّه أنّ جميع خطابات القرآن المسوقة في حقّه ، شاملة له ولغيره من المكلّفين أيضا بوساطته - صلّى اللّه عليه وآله - مثل قوله تعالى :
« أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ »
( الإسراء / 78 ) وغيره من الآيات ؛ إلّا أن يقوم دليل قاطع على اختصاص الخطاب به - صلّى اللّه عليه وآله . وقد عرفت أيضا أنّ الصبر سنّة حسنة عقلية ، وفريضة عقليّة أحيانا . فلا محصّل لاختصاص الأمر بالصّبر برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . ولمّا كان الصّبر بما هو صبر ، من أشرف ما يمكن أن يتقرّب به إلى اللّه - سبحانه - فلا محالة يحتاج تحقّق العبادة والعبوديّة فيه إلى قصد وجوبه الذاتيّ أو حسنه ، وإلى قصد الإخلاص فيه ؛ كما في غيره من العبادات المولوّية . غاية الأمر أنّ العبادة في العبادات الشرعيّة التعبّديّة ، تتحقّق بقصد أمرها ويحتاج إلى قصد الإخلاص فيها أيضا ؛ وفي المقام - سواء كان واجبا بذاته أو حسنا - يكفي الإتيان لوجوبها الذاتيّ ثم قصد الإخلاص فيها . ويصرّح بما ذكرنا من قصد الاخلاص قوله تعالى :
« وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » .
أي : لرضاء ربّك
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 179 | محمد باقر الملكي الميانجي