تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
تستكثر ما عملت من خير للّه . أقول : الحديث الشّريف ينطبق على الوجهين المذكورين ؛ إلّا أنّ الأوفق بظاهر الآية ، هو الثاني . ولا يخفى أيضا انطباق الحديث بما ذكرناه من الإطلاق في قوله :
« لا تَمْنُنْ » .
وقيل : معناه : لا تعط عطيّة لتعطى أكثر منها . ( مجمع البيان 10 / 385 ) وهذا الوجه ضعيف . فلا دليل له من ظاهر لفظ الآية . لأنّه منقطع عن قوله :
« لا تَمْنُنْ »
ومتوقّف على أن يكون
« تَسْتَكْثِرُ »
نهيا مستقلا ومنقطعا عمّا قبله . وكذلك الأقوال الّتي تناسب ذلك وتشترك في وجه الاستظهار . وأوهن من الجميع ما أورده الشيخ في تبيانه 10 / 173 ، قال : لا تمنن ما أعطاك اللّه من النبوّة والقرآن ، مستكثرا به الأجر من الناس . ومحصّل الكلام في الفرق بين ما اخترناه وبين ما ذكره القوم : إنّه بناءا على ما ذكرناه ، يوجد نهي واحد وتحريم واحد . وعلى ما ذكروه ، يوجد نهي عن المنّ ونهي آخر عن الاستكثار مستقلا . فتحصّل في المقام أنّ الآية الكريمة ظاهرة في المنع عن المنّ بالاستكثار . وهل المنع المذكور - سواء كان المنّ بالاستكثار أو بطريق آخر - يوجب بطلان العمل من أصله ، أو حبط ثوابه ، أو لا يوجب شيئا منها ؟ مقتضى ما ذكرناه من أنّ العمل المذموم بذاته أو بالنهي المولويّ تحريما أو تنزيها ، ممّا لا يتقرّب به إلى اللّه - سبحانه - هو البطلان رأسا ، إذا كان العمل من حيث صحّته وترتّب الأثر عليه مشروطا بقصد الأمر وتحقّق الإخلاص فيه ؛ مثل الزكاة الفريضة ، على ما هو المعروف من كونها مشروطة بالنّيّة وقصد القربة والإخلاص . قال تعالى :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » .
( البقرة / 264 )