سندا وأظهر دلالة على أنّ أوّل ما نزل من القرآن سورة العلق . وسيجيء - إن شاء اللّه - إشباع الكلام في أنّ أوّل ما نزل هي سورة العلق أو الفاتحة أو غيرهما .
قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
( 1 ) » .
بيان : المدّثّر اسم فاعل من باب التفعّل . أصله متدثّر ؛ قلبت التاء دالا وأدغمت في الدال . قال في القاموس 2 / 27 : تدثّر بالثوب : اشتمل به . . .
والدثار - بالكسر - : ما فوق الشّعار من الثياب .
وقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ »
المراد به شخص الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - وهو المخاطب . ولم يعلم وجه مخاطبة اللّه - سبحانه - رسوله بوصف التدثّر .
وذكر الرازي في توضيح ذلك وجوها ما خلاصتها : أحدها : إنّه - صلّى اللّه عليه وآله - في بدو أمره ، رأى الملك قاعدا على عرش بين السّماء والأرض فناداه : يا محمد ! أنت رسول اللّه . فخاف منه . ورجع إلى خديجة وقال : دثّروني ، وصبّوا عليّ ماءا باردا . فنزل عليه جبرئيل وقال :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » .
وثانيها : إنّ قريشا كذّبوه بأنواع من التكذيب وقالوا : إنّه ساحر . فبلغ ذلك إلى رسول اللّه فجلس حزينا متدثّرا بثوبه . فنزل جبرئيل وناداه :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » .
وثالثها : إنّه - صلّى اللّه عليه وآله - كان نائما متدثّرا بثيايه . فجاء جبرئيل أيقظه وناداه :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » .
( تفسير الرازيّ 30 / 189 )
أقول : لا يخفى أنّ ما ذكره من شأن النزول ، لا اعتماد عليه ولا اعتبار به فلا يصلح التشبّث به في تفسير
« الْمُدَّثِّرُ »
وفي إثبات أنّ السّورة أوّل ما نزل من القرآن . والوجه الثاني يناقض الوجه الأوّل . فإنّ الوجه الأوّل مبنيّ على أنّ السّورة أوّل ما نزل من القرآن وما استقرّ بعد أمر رسالته ودعوته ؛ والوجه الثاني مبنيّ على قيامه بالدعوة ومجاهدته وإصراره في مبارزة المشركين .
وقيل : إنّ المراد بالتدثّر هو التلبّس بحمل الرسالة والنبوّة وتحمّل شدائدها . ( تفسير الرازيّ 30 / 190 ) وهذا تأويل بلا دليل .