- صلّى اللّه عليه وآله - لم يعرف جبرئيل ، وقد اضطرب واستوحش منه ، عند أوّل ما رآه ، ثمّ استأنس به بتكرار ملاقاته ، ولم يكن له حجّة بينه وبين ربّه على رسالته ونبوّته ، ولم يكن له حجّة على أنّ من يأتيه ملك مقرّب أو غيره ، وإنّما كان ملاقاته إيّاه من قبيل الأمور العاديّة ، فيصيبه ما يصيب الأشخاص من الخوف والاضطراب وعدم السّكون والاعتماد في أمره .
وفي سيرة ابن هشام 1 / 249 - 255 ما يقضى منه العجب أنّه كان في ترديد وريب من أمره حتّى سألت خديجة - رضي اللّه عنها - من ورقة ؛ وغيرها من القصص المذكورة فيها .
أقول : وليس الأمر على ما زعموا ، وقد صرّح - سبحانه - أنّه تعالى أيّد رسوله بروح القدس . وهو عبارة عن العلم المفاض على الإنسان الرسول والنبيّ والصّدّيق . وهذا هو العلم والعيان الحقيقيّ المصون المعصوم بذاته ، يستحيل دخول الريب فيه . قال تعالى :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . . » .
( الشورى / 52 ) وغيرها من الآيات . فبهذا العلم الصّريح يعرف - صلّى اللّه عليه وآله - جبرئيل عيانا ويكلّمه مشافهة . وبهذا العلم يأخذ عنه ما يأخذ وكذلك يأخذ عن اللّه - سبحانه . وبهذا العلم يحفظ ما يأخذ . وبه يبلّغ ما يبلّغ .
وكذلك الكلام بعينه في الإنسان النبيّ . وهو الّذي يأخذ النّبأ من اللّه مستقيما بلا واسطة الملك ، فيعرف بهذا العلم عيانا وبداهة أنّه نبيّ .
ويعرف أنّ ما أوحي إليه إنّما هو من اللّه - سبحانه - لا ريب فيه ولا ترديد ، بل كلّها أحكام إلهيّة وشرائع حقّة ؛ فلا يغفل ، فلا ينسى ، فلا يخطئ ، فلا يسهو ، فلا يضلّ .
وكذلك الكلام بعينه في الصدّيق المحدّث . وهو الإنسان الّذي يحدّثه الملك ، فيعرف صوته ، ولا يرى شخصه . فيعرف أنّ كلّ ما يحدّثه من المعارف والحقائق والعلوم ، إنّما يفاض إليه من اللّه - سبحانه . وهذا في غير الأحكام والشرائع . ومن هذا القبيل مصحف فاطمة الصدّيقة - صلوات اللّه عليها .
وتفسير الرسالة والنبوّة والتحديث ، بهذا المعنى الّذي ذكرناه ، قد جاء