فعلى هذا قوله تعالى :
« فَاقْرَؤُا . . . »
في مقام التّخفيف عمّا كان مندوبا إليه في صدر السّورة . فالمعنى : اقرؤوا ما تيسّر من الصّلاة ومن العبادات . ولا استبعاد في إطلاق القراءة على الصّلاة ، كما في قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ » .
( الإسراء / 78 )
وقد فسّر
« قُرْآنَ الْفَجْرِ »
بفريضة الصّبح . وكذلك الكلام في قوله تعالى :
« وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ » .
( الإسراء / 79 )
أي : فتهجّد بالقرآن نافلة لك . وقد فسّر التهجّد بالقرآن بنوافل اللّيل .
( مجمع البيان 6 / 434 )
قال الجصّاص في احكام القرآن 3 / 469 قد انتظمت هذه الآية معاني . . . والثّاني : دلالتها على لزوم فرض القراءة في الصّلاة بقوله تعالى :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » .
والثّالث : دلالتها على جواز الصلاة بقليل القراءة .
والرابع : أنّه من ترك قراءة فاتحة الكتاب ، وقرأ غيرها ، أجزأه . وقد بيّنّا ذلك فيما سلف . فإن قيل : إنّما نزل ذلك في صلاة اللّيل ، وهي منسوخة . قيل له : إنّما نسخ فرضها ، ولم ينسخ شرائطها وسائر أحكامها . وأيضا قد أمرنا بالقراءة بعد ذكر التسبيح بقوله تعالى :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ » .
فإن قيل : فإنّما أمر بذلك في التطوّع . فلا يجوز الاستدلال به على وجوبها في الصّلاة المكتوبة . قيل له : إذا ثبت وجوبها في التطوّع ، فالفرض مثله . لأنّ أحدا لم يفرّق بينهما . وأيضا فإنّ قوله تعالى :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ »
يقتضي الوجوب . لأنّه أمر ، والأمر على الوجوب ، ولا موضع يلزم قراءة القرآن إلّا في الصّلاة .
أقول : ويرد عليه أنّ الآية الكريمة مسوقة في مقام الارفاق على النّاس ، وفي سياق التخفيف عمّا كان مندوبا إليه من قبل . أي : صلّوا ما تيسّر من الصّلاة . أو : اقرؤوا ما تيسّر من القرآن ؛ أي القراءة بعينها . وليست الآية مسوقة