تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قوله تعالى :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » .
تفريع ممّا تقدّم من تعسّر إحصاء المؤمنين لمقادير اللّيل ، ورجوعه تعالى إليهم بفضله الجديد بالتخفيف الّذي يريده تعالى منهم ، وهو الميسور من قراءة القرآن ؛ فقبل اليسير من الكثير . وليس الأمر باليسير ، ترخيصا في ترك الكثير . وإنّما هو أمر باليسير ، مع بقاء الكثير على حكمه السّابق من الاستحباب . فمن شاء استقلّ ؛ ومن شاء استكثر . ومن توهّم أنّ الأمر باليسير ، ترخيص في ترك الكثير ، فضعيف جدّا . وقياس ذلك بقوله تعالى :
« فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ »
( البقرة / 187 ) قياس مع الفارق . فإنّ قوله تعالى :
« بَاشِرُوهُنَّ »
ترخيص في مباشرة النساء في ليالي شهر رمضان بعد ما كان حراما ؛ بخلاف الأمر بقراءة ما تيسّر من القرآن ، فإنّه تعبّد بأمر جديد . وكذلك ما ذكره الجصّاص في كتابه احكام القرآن 3 / 469 ، قال : انتظمت الآية معاني . أحدها : أنّه نسخ به قيام اللّيل المفروض قد كان بديا . ومن هنا يعلم وهن ما ذكره الزمخشريّ في الكشّاف 4 / 179 : وهذا ناسخ للأوّل . ثمّ نسخا جميعا بالصّلوات الخمس . وأمّا المراد من القراءة في المقام ؛ فقد قيل : هي قراءة القرآن بعينه . وقيل : المراد من القراءة هي الصلاة . قيل : إنّ وجه استعمال القراءة في الصّلاة أنّها من أعظم أجزاء الصّلاة . فيكون من باب استعمال الجزء في الكلّ . ( تفسير الرازي 30 / 186 ) أقول : المندوب إليه في صدر السّورة المباركة هو القيام باللّيل نصفه ، أو ما زاد عليه ، أو ما ينقص منه . وكذلك في قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ . . . »
وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« قُمِ اللَّيْلَ »
أنّ الظّاهر هو القيام بالعبادة سواء كان بالصّلاة أو بقراءة القرآن ؛ إلّا أنّ الصّلاة هو القدر المتيقّن من قيام اللّيل لشيوع إطلاق القيام على الصلاة ، والقائمين على المصلّين .