انحلال عوالم الدنيا وبطلان تركيبها ورجوعها إلى بسائطها . ومفاد هذه الآيات من أشراط السّاعة وعلامات قيام القيامة - وسيجيء إن شاء اللّه إشباع الكلام في ذلك في سورة الانشقاق - متّفق في بيان هذه الحقيقة الأصيلة القرآنيّة .
إلا أنّه يجب التنبّه أنّ كلّ واحد من هذه الآيات ليس في بيان هذه الحقيقة بجميع جزئيّاتها ومراتبها ، بل كلّ واحد منها بحسب العنايات المسوقة لها الآية ، لبيان ناحية خاصّة منها ، أو لبيان مرتبة خاصّة من مراتبها . وبهذا البيان يعلم أنّه لا اختلاف بين هذه الآيات وبين قوله تعالى :
« يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ . . . » ،
فإنّه لبيان المراحل الأولى من انحلال الأرض والجبال ، لا لبيان انحلال جميع حقائق الدّنيا وسمائها ونجومها وغيرها .
وذكر جمع من المفسّرين أنّ
« يَوْمَ »
في قوله تعالى
« يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ »
ظرف لقوله :
« إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا » .
( تفسير الرازي 30 / 181 )
ويرد عليه أنّ قوله تعالى :
« إِنَّ لَدَيْنا . . » .
ليس في مقام الإخبار عن تحقق النكال في المستقبل ، بل هي مسوقة لبيان أنّه تعالى أعدّ لهم ذلك ، وهو - سبحانه - متمكّن ومقتدر للانتقام منهم .
وثانيا : أنّ النكال ليس مقارنا بالرّجفة . فإنّ رجفة الأرض إنّما هي في الدّنيا عندما أراد تعالى انحلال هذه العوالم المشهودة . ثمّ بعده حشر الأموات ، وبعده سوق الناس إلى موقف الحساب ، وبعد الحساب أخذهم بالنكال . فلا محصّل لكون
« يَوْمَ »
ظرفا للنكال في القيامة في الجحيم . فهذه الآية الكريمة بمنزلة قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » .
( الحجّ / 1 و 2 )
بل الآية الكريمة إنذار وتحذير للنّاس - خاصّة جبابرة قريش - بالأهوال والشّدائد الواقعة في الدّنيا عند رجفة السّاعة .
فتبيّن أنّ موضع قوله :
« يَوْمَ تَرْجُفُ »
غير مرتبط بما تقدّمها من الآيات .
قال في القاموس 3 / 142 : رجف : حرّك وتحرّك ، واضطرب شديدا . . .