تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
قوله تعالى :
« وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ » .
تنقيح البحث يقع في ضمن مسائل : الأولى : إنّه قد أمر اللّه - سبحانه - رسوله وصفيّه بذكر اسمه الكريم . وواضح أنّ ذكر اسمه تعالى من الأمور الحسنة الضّروريّة ، ومن العبادات الذاتيّة الّتي لا يحتاج التعبّد فيها إلى أمر مولوّي شرعيّ ؛ وإنّما يحتاج إلى قصد الإخلاص في إتيانها . الثانية : إنّ الأوامر الإرشاديّة لا إطلاق فيها ولا تقييد ، وإنّما تدور مدار الأمر المرشد إليه بحسب درك العقل سعة وضيقا ؛ سواء كان من حيث الموضوع والمكلّف ، أو من حيث المتعلّق . فالموضوع هو الإنسان الواجد لشرائط التّكليف . فلا فرق في حسن الذّكر بالنسبة إلى قوم دون آخرين ، ولا إلى شخص دون غيره . والمتّعلق هو ذكر اسم الرّب بأيّ نوع من أنواع الذكّر ؛ سواء كان ذكرا قلبيّا أو لسانيّا أو كلاهما معا وجهرا وإخفاتا ويشمل أيضا ذكر واحد من أسمائه تعالى أو جميعها أو ما شاء وأراد منها . وكذلك لا فرق بين اسم دون غيره من الأسماء ؛ سواء كانت حاكية عن ذاته أو صفاته أو أفعاله الحكيمة . فعليه يكون ذكر اسم الربّ عبارة عن تحميده وتعظيمه وتكبيره وتهليله وتنزيهه على الإطلاق أو في صلاة ودعاء وقراءة قرآن وغيرها . الثالثة : إنّ الذكر قد يكون منبعثا وناشئا من القلب وفي القلب ؛ كما في قوله تعالى :
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ »
( الأعراف / 205 ) ويجري إلى اللّسان أحيانا . وقد يكون باللّسان أيضا ، ويصل إلى القلب أحيانا ، إذا كان مستغرقا فيه ومشتغلا به . وقد يكون باللّسان فقط ، ولا يصل إلى القلب . فقوله تعالى :
« وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ »
تذكرة وإرشاد إلى كلّ من عقل وأدرك هذا الحكم ؛ من غير فرق بين نبيّ أو رسول أو صدّيق أو مؤمن عارف أو عامّيّ جاهل . غاية الأمر أنّ ذكر اسمه تعالى على هذا الوصف الوسيع ، إنّما يتمكّن منه الصدّيقون وأعاظم الموحّدين ممّن يحصي أسماءه تعالى ، ويعرف مفادها من شؤون ذاته وصفاته وأفعاله ، ومن دونهم على قدر معارفهم