خالِدِينَ فِيها » .
الظاهر أن المراد من
« تَحْتِهَا »
أي أشجارها . فالمتّقون هيّئت لهم في الآخرة جنّات وبساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار فهم يسكنون فيها مطمئنّين فرحين إلى أبد الآباد .
قوله تعالى :
« نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » .
النزل ما يعدّ للضيف ممّا يحتاج إليه على نحو الإجلال . وكونه من عند اللّه للتشريف والتكريم . فهذا التشريف من اللّه تعالى لعباده الصالحين لا يقاس بنعم الدنيا ، ولا يقاس أيضا بنعم الآخرة بلحاظ أنّها لذائذ ماديّة . ولا يغفل عنه الأولياء العارفون . كيف وهم يعرفون أنّه تعالى يكرمهم بأنواع الإكرام والإعزاز .
في الصحيفة المباركة السجاديّة في دعائه عليه السّلام في يوم عرفة قال :
وجاور بي الأطيبين من أوليائك في الجنان الّتي زيّنتها لأصفيائك وجلّلني شرائف نحلك في المقامات المعدّة لأحبائك .
قوله تعالى :
« وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ » .
( 198 )
أي : ما وعد اللّه سبحانه وهيّأه من النزل ، خير للأبرار . والظاهر أنّ ما عند اللّه من النزل المعدّة للأبرار غير النزل المعدّة للمتّقين وإنّما هي أوّل ما يقدمّه المضيف الكريم لضيفه ، وما عند اللّه زيادة على ذلك ، وهو مختصّ بالابرار الذين درجاتهم فوق درجات المتقين . قاله في المنار 4 / 314 .
قال الرازي في تفسيره 9 / 153 :
« وَما عِنْدَ اللَّهِ »
من الكثير الدائم « خير للأبرار » ممّا يتقلّب فيه الفجّار من القليل الزائل .
أقول : هذا بعينه موجود في كثير من عبارات المفسّرين . وفيه أنّ سوق الآية ليس لأجل ذلك فإنّ المقايسة بين ما عند اللّه وما أعدّه لأصفيائه وبين ما استدرج به الكفّار والفسّاق هو انتقاص واحتقار لهذه الموهبة الكبرى ، وليس في ما به الاستدراج خير حتّى تكون المواهب الإلهيّة للأبرار أشد خيرا منه ، وهو واضح .