تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الإشتراء هو أخذ السلعة بأداء الثمن . وقد يستعمل العكس أي تخلية اليد من السلعة بأخذ الثمن كما في المقام . هذه الجملة قرينة على أنّ عدم البيان منهم ليس بسبب الجهل البسيط ولا الجهل المركّب الملجئ إلى التأويل بل لأجل أغراض ومنافع تصل إليهم بعدم البيان وبيع الحقّ بالثمن البخس القليل من متاع الدّنيا . قوله تعالى :
« فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ » .
( 187 ) تنبيه بقبح فعالهم وسوء صنيعهم ، وتقريع لهم ، وتحقير لما حصل لهم من متاع الدّنيا ومن السحت الحرام في مقابل هذه الجناية العظيمة للحقّ وأهله . قوله تعالى :
« لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا » .
في الآية الكريمة تعريض بالكاتمين ، وكأنّها من تتمّة البيان المرتبط بهم ، وعلى الأقلّ من عمومها وشمولها لهم أيضا . وفيها تهديد للّذين يفرحون ويحبّون الثناء والمحمدة من النّاس على ما أتوا به . وحيث إنّ الفرح بنفسه وإطلاقه ليس أمرا قطعيّ التحريم ، وحبّ الثناء والمحمدة من النّاس وإن كان من الرذائل العقليّة وموجبا للوقوع في الرياء إلّا أنّه لمّا يبلغ مرتبة يوجب الوعيد بالعذاب الواقع في ذيل الآية ، فيكون هذا قرينة على أنّ المراد بما أتوا به ليس الخيرات والطاعات بل المراد به الخيانة والجناية على الحقّ لإشباع هوسهم ، وهضم حقوق غيرهم ، والتوصّل لما طلبوا من مراميهم الفاسدة ، ومحاولة نيل آمالهم الخبيثة ؛ وهم مع ذلك كلّه يتوقّعون من الناس الثناء والشكر في مقابل ما أتوه من الشّيطنة والأمور المنكرة ، ووفق ذلك فإنّ هذه الآية الكريمة متعرّضة لشأن عدّة من المخذولين الّذين يبغون على ربّهم ويفسدون في الأرض بدعوى الإصلاح . قال في الكشّاف 1 / 451 : روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سأل اليهود عن شيء ممّا في التوراة فكتموا الحقّ وأخبروه بخلافه ، وأروه أنّهم قد صدقوه ، واستحمدوا إليه ، وفرحوا بما فعلوا ، فأطلع اللّه رسوله على ذلك وسلّاه