تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
« وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ » .
[ النمل ( 27 ) / 87 ] وفي الآية ظهور أيضا أنّ الساكنين في تلك الدار يستبشرون بالأمن وكرامة اللّه عليهم ، ويلتذّون بما يفاض عليهم من الكرامات الماديّة والمعنويّة . قوله تعالى :
« يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ » .
هذه الجملة من الشواهد على ما ذكرناه أنّ الاستبشار هو الانبساط والنشاط في وجود الإنسان لا طلب البشارة من الغير كي يحصل له سرورا في نفسه . ويحتمل أنّ الفرق بين هذه النعمة الّتي يستبشرون بها وبين السابقة أنّهم كانوا فرحين بما آتاهم اللّه من فضله ؛ وهو الأمن من الخوف والحزن ، بناء على أنّ قوله تعالى :
« أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
بدل اشتمال من قوله :
« مِنْ فَضْلِهِ »
، وأمّا النعمة والفضل في المقام فهي أعمّ وأوسع ، فهي نكرة تعمّ كلّ نعمة على سبيل الانتشار بنحو البدليّة لا المجموعي بعناية المجموعيّة ، شاملة جميع ما تمكن إفاضته عليهم ؛ وهم يلتذّون ويتمتّعون بها في دار إقامتهم . قوله تعالى :
« وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ » .
( 171 ) أي : عرفوا بالمعاينة أو بنحو الاستدلال أنّ اللّه شكور لا يضيع أجر المؤمنين ولا يضيع لديه أجر المحسنين . هذا بناء على قراءة الفتح أمّا بناء على الكسر فهو تأييد وتثبيت للجملة الأولى . والاستدلال بالآية على الاستحقاق في غير محلّه ، فإنّ التمجيد بأنّ اللّه لا يضيع أجر المؤمنين ملائم مع كلا القولين التفضّل والاستحقاق ، نعم لو كانت الآية صريحة في التنزيه لكانت فيها دلالة على الاستحقاق ، كما لا يخفى . وليعلم أنّ الفضل صفة لفعله تعالى في مقابل العدل ، ونعمته تعالى عين ما أعطاه لعباده بالمعنى الاسم المصدري ، فنعماؤه تعالى من غير استثناء شيء منها تتّصف بالفضل .