لساكني عالم الدنيا والشهادة لمعرفة عالم البرزخ وما بعده من العوالم الأخرويّة هو الاعتماد على أخبار المعصوم المشرف على أوضاع تلك النشأة .
قوله تعالى :
« فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » .
« فَرِحِينَ »
حال من فاعل
« يُرْزَقُونَ »
. وفرحهم إنّما هو لموتهم في سبيل اللّه وفوزهم بكرامة اللّه سبحانه ورضوانه ، وارتزاقهم رزقا حسنا وعيشا هنيئا .
قوله تعالى :
« وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
قال في الكشاف 1 / 440 : ويستبشرون بما تبيّن لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين ؛ وهو أنّهم يبعثون آمنين يوم القيامة . بشّرهم اللّه بذلك فهم مستبشرون به .
قال في الميزان 4 / 62 : ومن ذلك يظهر أوّلا أنّ هؤلاء المقتولين في سبيل اللّه يأتيهم ويتّصل بهم أخبار خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدّنيا .
وقال في مجمع البيان 2 / 537 : أي : يسرّون بإخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدّنيا على مناههم من الإيمان والجهاد لعلمهم بأنّهم إن استشهدوا لحقوا بهم وصاروا من كرامة اللّه إلى ما صاروا هم إليه يقولون : إخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من النعيم مثل ما أصبنا ، عن ابن جريح وقتادة .
أقول : هذا ما ذكروه في المقام ، وفيه أنّ الاستبشار بناء على ما ذكروه لا بدّ أن يتعدّى ب « من » أو « عن » لا بالباء . والأوفق بالكلام أن يقال : إنّ الاستبشار هو إلقاء السرور إلى الغير بالبشارة ، أي بالانبساط والفرح بعناية إلقائه إلى الغير ، فإنّ أصل البشارة من البشرة ، إذ بشرة الإنسان تنبسط عند السرور . فهؤلاء يتمنّون أن يعلم اخوانهم الباقون في الدّنيا أنّهم نالوا هذه الكرامة والفضيلة من اللّه ، وأنّهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، مثل قوله تعالى :
« قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ » .
[ يس ( 36 ) / 26 و 27 ] .