العناية والاعتناء ، للّه وحده . وقد عدل عن ضمير المتكلّم إلى لفظ الجلالة ، لما فيه من شدّة العناية واستحقاق مفاد الاسم الشريف للشكر .
قوله تعالى :
« إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » .
( 172 )
قد تقدّم معنى العبادة في قوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ » .
فإن قيل : هل العبادة للّه إيفاء لحقّ النعمة فإنّه تعالى هو المتفضّل والمتطوّل بجميع الأنعم أصولها وفروعها وخاصّة النعماء الّتي يتلذّذ بها من سائر الأنعم ، أو أنّه تعالى يستحقّها بذاته فهو سبحانه أهل لأن يمجّد ويعظّم ويعبد ؟
قلت : مقام العبادة أعلى وأجلّ من مرتبة الشكر ، فهي إمّا أجلّ مراتب الشكر أو أجلّ وأعلى من مرتبة الشكر مرتبة . وكيف كان فهذا تذكرة للّذين يعبدونه تعالى حقّ عبادته ويعظّمونه سبحانه بما يجب لهم من التعظيم ليشكروه تعالى ويعبدوه عندما يتذكّرون موقعية هذا التشريع ، وبما اختصّهم اللّه تعالى وأكرمهم بهذه الطيّبات الّتي بها نظام عيشهم وعماد حياتهم . وكيف جرت سنّة اللّه تعالى بحاجة البشر إليها ، وكيفية رغباتهم إليها ، وعدم استغنائهم عنها وكيف يحرجهم لو لم يأذن لهم ، ولم يشرع لهم ما يشرع .
قوله تعالى :
« إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ » .
هذه الآية قرينة أخرى على أنّ صدر الآية في مقام التشريع ؛ فلا كلام في أنّ المحرّمات من الميتة وغيرها حرّمها اللّه تعالى ، وأحلّها للمضطرّ بشرط عدم بغيه وعدوانه . وهذا أصرح لسان في التشريع وأوفى بيان فيه . قال تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ » .
[ المائدة ( 5 ) / 3 ]
و
« وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
* . . .
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ