[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 175 إلى 176 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )
قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » .
الآية الكريمة سبقت لأجل تشريع الحكم فخاطب اللّه تعالى المؤمنين خاصّة ، وأكرمهم بالخطاب دون غيرهم ؛ وهذا بناء على ما أثبتنا من أنّ الخطابات التعبديّة أريد بها المؤمنين خاصّة ، وأمّا غيرهم فشملتهم من حيث العقاب لا من حيث الخطاب فإنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار ؛ فحكم الإباحة في هذه الآية يختصّ بالمؤمنين .
قوله تعالى :
« كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ . . . » .
الطيّبات قد أطلقت على ما طاب من الكلام والنفس والغذاء والهواء والمكان والمولد . والظاهر أنّ المراد منها في الآية الكريمة المأكول الطيّب ، المقابل للخبيث منه الّذي تنفر منه النفس ويشمئزّ منه الطبع . فعلى هذا تكون
« طَيِّباتِ »
مفعولا لقوله :
« كُلُوا »
مقيّدا بأن لا يكون من الخبائث . فحيث إنّ المقام مقام التشريع فلا محالة يكون الرّزق الطيّب مقيّدا بقرائن منفصلة شرعيّة وبقرائن متّصلة عقليّة بأن لا يكون ظلما وغصبا وجناية على الغير . ولا بأس بانفصال القرائن في أمثال المقام ؛ إذ المقام ليس مقام إفتاء ومرحلة عمل بل المقام ، مقام التعليم وبيان الكبريات والكلّيّات فلا بدّ من البحث والفحص في الكتاب والسنّة وضمّ القرائن والقيود على ما هو المقرّر في الأصول .
قال في المنار 2 / 95 :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »
الأمر هنا للوجوب لا الإباحة . والطيبات ما طاب كسبه من الحلال .
هذا النحو من الاستظهارات تضحك منه الثكلى . ويشهد على ما ذكرنا من أنّ الآية لتشريع حليّة الطيّبات ، سياق الآية دالّ على التحنّن والتذكير بالشكر على هذه الموهبة الكريمة من اختصاصهم بحليّة الطيّبات يتقلّبون في نعمائه تعالى .
ولا تبعة عليهم ولا غضاضة ، بخلاف الكفّار . والشكر على هذا الإكرام وعلى هذه