تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء . قال في المنار 2 / 457 : والمتبادر من السياق أنّ أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدوّ مهاجم لا من قلّتهم فقد كانوا ألوفا أي كثيرين ، وإنّما هو الحذر من الموت الّذي يولده الجبن في أنفس الجبناء فيريهم أنّ الفرار من القتال هو الواقي من الموت . . . ولا يشترط أن تكون القصّة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصّح مثله في القصص التمثيليّة . . . والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصيّة لأنّ المراد بيان سنّته تعالى في الأمم الّتي تجبن فلا تدافع العادين عليها . ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف ، فمعنى موت أولئك القوم هو أنّ العدوّ نكل بهم فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمّتهم حتّى صارت لا تعدّ أمّة ، بأن تفرّق شملها . وذهب جمعها . . . ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم . . . فهذا معنى حياة الأمم وموتها . . . وإطلاق الحياة على الحالة المعنويّة الشريفة في الأشخاص والأمم ، والموت على مقابلها معهود . . . وأمّا الموت الطبيعي فهو لا يتكرّر كما علم من سنّة اللّه ومن كتابه إذ قال :
« لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى » .
[ الدخان ( 44 ) / 56 ] . . . أقول : لا يخفى وهن ما تكلّف في معنى الآية وسقوطه ، بل هو تحريف للكلم عن مواضعه وتفسير بالرأي بلا مساعدة دليل عليه . واستشهاده بقوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ فِيهَا . . . » *
ليس في محلّه ، فإنّه لبيان إدامة النعمة على أهل الجنّة وخلودهم فيها ، ونفي الموت عنهم . ومعناه أنّهم بعد ما يموتون وينتقلون بالموت إلى الآخرة لا يذوقون فيها موتا أبدا . على أنّ نفي إمكان تكرّر الموت الطبيعي في الدنيا إنكار لجميع الآيات الدالّة على وقوع إحياء الموتى في طول حياة الإنسان في الدّنيا ، مثل قصّة قتيل بني إسرائيل ، وقصّة عزير ، وإحياء عيسى بن مريم ، وقصّة أصحاب الكهف ، وطيور إبراهيم عليه السّلام . نعم ، المنكرون لإعادة الموتى وحشر الأجساد والمعاد الجسماني يؤوّلون نصوص الكتاب كلّها ، وكذلك النصوص المحكمة الدالّة على الجنّة والنار الجسمانيّتين ؛ وليس هذا إلّا لأنّهم توغّلوا في التوهّمات الّتي سمّوها برهانا .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 285 | محمد باقر الملكي الميانجي