فصّلنا البحث حول الآية الشريفة في بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام .
وفي تفسير العياشيّ 2 / 262 ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
إنّ اللّه أمر نوحا أن يحمل في السفينة من كلّ زوجين اثنين ، فحمل النخل والعجوة فكانا زوجين ، فلمّا نضب الماء أمر اللّه نوحا أن يغرس الحبله وهي الكرم ، فأتاه إبليس فمنعه من غرسها ، وأبى نوح إلّا أن يغرسها ، وأبى إبليس أن يدعه يغرسها وقال : ليست لك ولا لأصحابك إنّما هي لي ولأصحابي ، فتنازعا ما شاء اللّه ، ثمّ إنّهما اصطلحا على أن جعل نوح لإبليس ثلثيها ولنوح ثلثها . وقد أنزل اللّه لنبيّه في كتابه ما قد قرأتموه :
« وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً »
، فكان المسلمون بذلك ثم أنزل اللّه آية التحريم هذه الآية :
« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ »
إلى
« مُنْتَهُونَ »
يا سعيد فهذه آية التحريم ؛ وهي نسخت الآية الأخرى .
في هذه الرّواية الشريفة دلالة على كون الخمر حلالا ابتداء ثمّ حرّمت ؛ وهي موافقة لمذهب العامّة في ذلك فلا تقاوم الروايات الّتي تدلّ على أنّها لم تزل حراما .
ثمّ إنّه من المسلّم أنّ الخمر في زمن النزول بين العرب هي الخمر المتّخذة من التمر ، وقلّما توجد من غير التمر . بداهة أنّ العرب في الجاهليّة كان معاشهم من الأغنام والأحشام والأنعام وشيء قليل من التجارة والنخيل ، وليست الغلّاة والحبوب والثمار عندهم من الوفرة والكثرة بحيث تصل النوبة للتخمير ، وما يحمل إليهم من الآفاق أيضا لا يكافئ أقواتهم الضروريّة ، لندرة الوسائل والوسائط يومئذ ، وعدم ارتباط البلاد العامرة مع الحجاز وأهلها ، فإنّ الحجاز لم تكن يومئذ إلّا منبع الجهل والقساوة ، ومركز القتل والغارة والفقر . وليست هي بحيث تكون الممالك المعمورة محتاجة إليها ، حتّى قيل إنّ بعضا من أكاسرة العجم وقياصرة الروم عند توجّههم إلى فتوح البلدان والأقاليم لم يعتنوا بالحجاز ، وما ساقوا إليها