يظهرون عليهم فيه وذلك قول اللّه عزّ وجلّ :
« الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ » .
والروم في هذا بمنزلة المشركين لأنّهم لم يعرفوا للشّهر الحرام حرمة ولا حقّا ، فهم يبدأون بالقتال فيه ، وكان المشركون يرون له حقّا وحرمة فاستحلّوه فاستحلّ منهم ، وأهل البغي يبتدئون بالقتال .
وفي الكافي 4 / 239 ، عن عليّ بن إبراهيم مسندا عن زرارة قال : كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر عليه السّلام ؛ وهو محتب مستقبل الكعبة ، فقال :
أما إنّ النّظر إليها عبادة . . . ما خلق اللّه عزّ وجلّ بقعة في الأرض أحبّ إليه منها - ثمّ أومأ بيده نحو الكعبة - ولا أكرم على اللّه عزّ وجلّ منها ، لها حرّم اللّه الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض ، ثلاثة متوالية للحجّ : شوّال ، ذو القعدة ، وذو الحجّة . وشهر مفرد للعمرة [ وهو ] رجب .
قوله تعالى :
« فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » .
لا كلام في أنّ الاعتداء بمعنى التجاوز ؛ ولا كلام أيضا في أنّ المراد من أمره تعالى المؤمنين بالاعتداء ، هو أمره سبحانه إيّاهم بالمجازاة بالعدل في مقابل التجاوز ؛ وإنّما الكلام في عناية التعبير عن المجازاة بالاعتداء . وأحسن ما قيل في هذا الباب أنّ المجازاة في مقابل الجناية أمر حسن في الواقع سيّما إذا تقدّر بعين ما ارتكبه الجاني ، فلكمال المشابهة بين المجازاة بحسب العين الخارجي لا بحسب الملاك والتشريع والتقنين ، عبّر عن المجازاة بعين اللّفظ الحاكي عن الجنايات تأكيدا وتشديدا على الجاني ، مثل قوله تعالى :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » .
[ الشورى ( 32 ) / 40 ] ويجري هذا الوجه في قوله تعالى :
« فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » ،
أيضا .
قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » .
( 194 )
التّقوى والمراقبة في جنب اللّه سبحانه أمر واجب وحسن باعتبار الموارد الماسّة به ؛ وهو من المستقلّات العقليّة . وفي حذف متعلّقه تثبيت لما أدركه العقل من