ومعرفته تعالى بتصوّره محال وإلحاد . ومعرفته بتصوره سبحانه بالوجوه والعناوين العامّة والمفاهيم الكلّيّة ، تسمية وتوصيف بغير ما وصف وسمّى به نفسه .
وهو لا يجوز بمحكم وحيه . فلا بدّ في حصول المعرفة من التأمّل والتدبّر والتذكّر بالآيات وسننه تعالى في عباده وبلاده من هذا الحيث . فبعد السير والتأمّل العميق في آياته تعالى والمواهب الجارية على الخلق منه سبحانه ، سيّما آياته العظام الظاهرة مع كثرتها وسعتها العجيبة الّتي تدهش وتتحيّر فيها الألباب . كيف ؟ ! وهذا الفناء العجيب ، جعل لهم مهدا مبسوطا وفوقهم سقفا مرفوعا مع سرجها المضيئة ، ومصابيحها المعلّقة ، وأعدّ لهم فيها جميع ما يتقوّم به عيشهم لو عاشوا أبد الدّهر ، وتتقلّب فيها أنحاء المخلوقات ، وتتمتّع منها صنوف مختلفة إلى مالا يعلم تعدادها إلّا اللّه ، يحصل العلم والإذعان بأنّ نسبة ما علمناه من نعمائه تعالى بما لم نعلم ، نسبة المتناهي إلى غير المتناهي . وليس هذا إلّا ظهوره تعالى بآياته ورحماته ونعمائه خارجا عن الحدّين ، وأنّه متوحّد ومتفرّد في رحمته وإحسانه ليس له شريك ولا شبيه ولا سميّ .
فتلختص في المقام أمور :
الأوّل : لا بدّ من معرفة الذات الرحمانيّة خارجة عن الحدّين بآيات رحمته ودلائل إحسانه .
الثاني : سرّ الفرق بين الاسمين من حيث إيقاعهما على المسمّى أعني العناية الملحوظة في كلّ واحد من الاسمين وقد عرفت أنّ هذا أمر توقيفيّ لا بدّ من تلقّيه من الشارع .
الثالث : إنّ من الأمور الواضحة الّتي لا ريب فيها عند الموحّدين ، أنّه بعد ما تمّت الدعوة الإلهيّة وأقيمت الحجج والبراهين الحقّة على أنّ اللّه هو الحقّ المبين ، وأنّه متوحّد في الألوهيّة فآمن من آمن وكفر من كفر ، فلا محالة ينقسم أهل العالم بالقسمة الأوليّة عندما قامت عليهم البراهين إلى مؤمن وكافر . وبديهيّ أنّ فيضه تعالى على كلا الفريقين - الموحّد الخاضع والمعاند الكافر - ليس على ملاك واحد . وهذه المسألة ممّا وقع فيها الخلاف بين أرباب الشرائع وبين الفلاسفة المنسوبين إلى التوحيد ، فعلى قول الفريق الثاني حيث إنّه وقع هذا النظام الخير في مجرى إرادته وعنايته فجميع ما وقع فيه ، ينتهي إلى إرادة واحدة ويعلّل بها ، فالإمداد الواصل إلى ابن ملجم أشقى
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 96
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٩٦