قوله تعالى : « الرحمن الرحيم » .
بيان : حيث إنّ هذين الاسمين الكريمين في الآية الكريمة أطلقا على اللّه تعالى ، فالمناسب عند البحث في المقام ليس هو البحث عن معناهما العامّ اللّغوي وإيقاعهما على اللّه سبحانه ، بل الحقّ وضعهما بالوضع الخاصّ - بالاشتراك في اللّفظ واختلاف في المعنى - عليه سبحانه ؛ فإذن كما لا يصحّ إطلاق الأسماء والصّفات بمالها من المعنى العامّ عليه تعالى فكذلك لا يصحّ إطلاق أسمائه تعالى بمالها من المعنى الخاصّ على غيره . قال تعالى :
« رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا » .
[ مريم ( 19 ) / 65 ]
وهذا أمر توقيفي لا بدّ من تلقّيه من الشارع . ولا بدّ من إثبات الرحمة له تعالى بالمعنى المقدّس عن الرّحمة المتصوّرة المعلومة . ولا بدّ من معرفة الذّات من حيث إنها رحمان ورحيم ، فإنّ إيقاع الاسم والصّفة قبل معرفة المسمّى والموصوف في حقّه تعالى ، لا يكون إلّا لقلقة وتعطيلا للذّكر ، ولا يكون ثناء وتمجيدا للذّات المقدّسة .
قال أمير المؤمنين عليه السّلام :
« إنّ من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو عن صافت خالقه أعجز . » ( النهج ، الخطبة / 163 )
وقال أيضا :
« فإنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء . » ( النهج ، الخطبة / 182 )
وفي التوحيد / 238 ، عن أحمد بن محمد بن عبد الرّحمن مسندا عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال :
. . . اللّه أجلّ من أن يدرك الواصفون قدر صفته الّتي هو موصوف بها ، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله . تعالى اللّه عن أن يدرك الواصفون صفته علوّا كبيرا . . . « 1 »
هامش
( 1 ) - نقله في المعاني / 38 ، باختلاف يسير في المتن والسند .