وأمّا الكلام بحسب الهيئة ؛ فقد صرّح كثير منهم أنّه للمبالغة . ولعلّ السرّ في ذلك أنّهم لمّا رأوا أنّ المورد مورد عطائه تعالى وهو الّذي عمّ ووسع كلّ شيء ، حكموا بذلك من ناحية المورد .
قال في البيان / 300 : وقال غير واحد من المفسّرين وبعض اللّغويّين : إنّ صيغة الرّحمن مبالغة في الرّحمة ، وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة ؛ سواء كانت هيئة فعلان مستعملة في المبالغة ، أم لم تكن . فإنّ كلمة « الرحمن » في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلّق . فيستفاد منها العموم وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء .
أقول : سيجيء تحقيق ذلك - إن شاء اللّه .
فإن قلت : إذا كان كلا الاسمين مشتقّا من الرّحمة وكانا صفتين مشبّهتين ، فما الوجه في تكرارهما ؟ وهل يجوز أن يكون الثاني للتأكيد ؟
قلت : لا يجوز حمل الثاني على التأكيد . وقد تخلّصوا من شبهة لزوم التكرار بأنّ « الرّحمن » يدلّ على كثرة الرّحمة وشمولها وعمومها ، و « الرحيم » على ثبوت الرّحمة ودوامها واستمرارها ؛ فلا تكرار ولا تأكيد .
قال في المنار 1 / 46 : وقد مشى الجلال في تفسيره وتبعه الصبّان على أنّ الرّحمن الرحيم بمعنى واحد وأنّ الثاني تأكيد للأوّل . ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول من عالم مسلم . وما هي إلّا غفلة نسأل اللّه أن يسامح صاحبها .
أقول : تحرير البحث في المقام يحتاج إلى تقدم أمور :
1 - قد تبيّن من جميع ما ذكرنا ، الفرق بين رحمته تعالى ورحمة من سواه . وعلم أنّ رحمته تعالى مباينة لرحمة من سواه ، لأنّ رحمة من سواه تنشأ من الرقّة والتأثّر والانفعال ؛ وهو سبحانه منزّه عنها . وما ذكره الزمخشريّ من تشبيه عطائه تعالى بعطايا الملوك ، وما ذكره البيضاويّ من أنّ إطلاق الرّحمة وشمولها على عطائه سبحانه باعتبار الغاية لا باعتبار المبادي ، في غاية الضعف والوهن كما سبق . فإنّ رحمته تعالى فعل من أفعاله الحكيمة المستندة إلى الكمال الذاتيّ له سبحانه ، يستدلّ عليه بآثاره وعلاماته الدّالة عليه . فما من ذرّة ولا قطرة إلّا وفيها براهين رحمته وبيّنات إحسانه .
فتكون رحمته ثابتة خارجة عن الحدين ؛ حدّ التعطيل والتشبيه . كما هو كذلك في ذاته وكمالاته ونعوته .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 99
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٩٩