تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
أمّا الكلام بحسب المادّة ، فظاهر كلماتهم بالمعنى العامّ اللّغوي يطلق عليه تعالى وعلى غيره ؛ وهو : العطف والحنوّ . إلّا أنّهم التزموا بسلب الرقّة والانفعال والتأثّر إذ نسب إليه تعالى ؛ فإنّ الرّقّة وتأثّر القلب الّذي يوجب العطاء إلى الغير يستحيل في حقّه تعالى . قال في الكشّاف 1 / 8 : فإن قلت : ما معنى وصف اللّه تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرّحم لانعطافها على ما فيها ؟ قلت : هو مجاز عن إنعامه على عباده . لأنّ الملك إذا عطف على رعيّته ورقّ لهم ، أصابهم بمعروفه وإنعامه . كما أنّه إذا أدركته الفظاظة والقسوة ، عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه . وفيه أن الزمخشريّ قد كرّ على ما فرّ منه . فإنّه قد فرّ من نسبة الرقّة إلى تعالى ، حذرا من تشبيهه تعالى بالأشخاص الجسمانيّة الّذين من شأنهم الرّقّة والتأثّر والانفعال ؛ ثمّ كرّ على تشبيه عطائه تعالى ونعمته وقبض عطائه عنهم بعطايا الملوك ومنعهم عطاياهم عن رعيّتهم وقبضهم عنهم . أفلا يعلم الزمخشريّ أنّ المجاز مؤسّس على التشبيه ومتوقّف على العلاقة الهوهويّة بين المشبّه والمشبّه به ولو بوجه ؟ ! وقال البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل 1 / 6 : الرّحمن الرحيم اسمان بنيا للمبالغة ، من رحم ؛ كالغضبان من غضب والعليم من علم . والرحمة في اللّغة ، رقّة القلب وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان . ومنه : الرحم ، لانعطافها على ما فيها . وأسماء اللّه تعالى إنّما تؤخذ باعتبار الغايات الّتي هي أفعال دون المبادي الّتي تكون انفعالات . أقول : لا بدّ للبيضاوي من الالتزام بما التزم به الزمخشريّ ، أو الالتزام بأنّ الرّحمة مرادفة للعطاء والإحسان . والظاهر من كلامه هو الثاني ؛ أي : الالتزام بترادف الرّحمة والعطاء ، وتوجيه هذه الحقيقة القرآنيّة وتأويلها وصرفها إلى حقيقة أخرى . وأنّى يصحّ لنا أن نلتزم حين الدّعاء والمناجاة إخلاء لفظ الرّحمن والرّحيم عن معناهما وإرادة غيره ؟ ! وقريب ممّا ذكره البيضاويّ ما ذكره كثيرون . قال المولى العلّامة شبّر ( قده ) في تفسيره / 3 : « الرّحمن الرحيم » صفتان مشبّهتان من رحم - بالكسر . ووصف تعالى بهما ، باعتبار غايتهما . والجميع متّفقون على أنّ المراد من الرّحمة هو العطاء باختلاف يسير في توجيهها وتأويلها .