القدّوس الخارجة عن الحدّين بعناية أنّها تتحيّر فيها العقول والألباب . وحيث إنّ فيه عناية الدلالة إلى نفس الذات مع أخذ التحيّر فيها فيكون شأنه بهذا الحيث غير شأن سائر الأسماء .
فالموضوع في المقام هو الذات بعناية ظهورها الذّات في عين بطونها وخفائها بحيث لا تتمكّن العقول الثواقب إنكارها ولا تنال من ناحية جلالها شيئا قليلا ولا كثيرا . والمؤمن بعد التمكّن في المقام لا يزداد إلّا حيرة ودهشة فيخضع ويتواضع ويتذلل بين يديه تعالى ، ويعرف بحكم عقله أنّ المقام مقام التسبيح والتنزيه والتقديس عن جميع شوائب النقصان . ويعلم أنّ التصوّر والتفكّر في ذاته هتك وإهانة له وخلاف قدسه وعلوّه - فسبحانه من إله ما أعجبه - فيتمكّن المؤمن الكامل في هذا المقام أن يمجّده بنعوت جلاله وجماله وأن يعظّمه بكبريائه .
وأما غيره من الأسماء ، فهي تعبير عن الذات القدّوس في كل واحد منها باعتبار نعت خاصّ من نعوته تعالى . وليس الغرض إيقاع هذه الأسماء عليه تعالى وتوصيفه تعالى وتعريفه بها ؛ بل الغرض تمجيده وتنزيهه من العارفين بهذه الأسماء ؛ سواء كانت مع اللّام أو بدونها ؛ وسواء كانت مضافة إلى معرفة أم لا .
فثبت أنّ السرّ في عدم جواز توصيف تلك الأسماء الحسنى بلفظ الجلالة ، هو أنّ لفظ الجلالة موضوع لنفس الذّات المقدّسة الخارجة عن الحدّين الّتي تتحيّر فيها العقول ، من دون عناية إلى نعت من نعوته ومعاني أسمائه ، لا ما ذكروه من أنّ لفظ الجلالة اسم جامد موضوع للذّات المقدّسة الجامعة لجميع صفات الكمال .
وقد اتّضح من جميع ما ذكرنا وهن القول بأنّ « اللّه » اسم جامد وعلم للذّات الجامعة لجميع صفات الكمال . والحقّ المبين الّذي لا ريب فيه ، أنّ لفظ الجلالة مع الألف واللّام أو بدونها - اللّه وإله - ليس إلّا مثل غيره من الأسماء الحسنى المشتقّة ؛ مثل الرّحمن والرّحيم مع اللّام أو بدونها ، وغيرهما من الأسماء . والفرق بينه وبين غيره من الأسماء المباركة أنّ كلّ واحد من الأسماء موضوع للتّعبير عن نعت خاصّ من نعوته تعالى . وهذا الاسم الكريم موضوع بالوضع الشخصيّ للذّات الخارجة عن الحدّين - حدّ التعطيل والتشبيه - من حيث إلهيّته وألوهيّته تعالى ، على ما سيجيء من البيان .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 85
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٨٥